تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخميس 17 ذي القعدة/31 أغسطس

أشبه من الغراب بالغراب

يرى الإنسان جماعة من أمة واحدة فيراهم متشابهين وبينهم في الحقيقة فروق كبيرة يدركها بنو جلدتهم، ويرى الرائي أخوة فيشتبه عليه أحدهم بالآخر؛ ولكن لا يشتبه أمرهم على أقربائهم.

ويرى الإنسان قطيعا من الغنم أو البقر فيعسر عليه أن يميز بعضها من بعض، فإذا عرضت عليه واحدة فتأملها ثم اختلطت بأخواتها، عسر عليه تمييزها، وهي عند راعيها معروفة لا يشتبه عليه بعضها ببعض.

وقد رأيت عجولا كثيرا أطلقت من حظيرتها لترضع أماتها، فجرى كل عجل إلى أمه لم يشتبه عليها ولم تشتبه عليه، وكانت العجول في رأي العين متشابهة والبقر متشابها.

ويرى الإنسان سربا من اليمام أو الغربان فلا يرى إلا أنها صورة واحدة مكررة ليس لواحدها شية تميزه، ولا سحنة تعرفه، حتى ضرب الناس المثل فقالوا: أشبه من الغراب بالغراب! ولا أحسب يمامة اشتبه عليها إلفها، ولا غرابا عسر عليه أن يعرف أليفه. وقل في النحل والنمل وغيرها.

ومعنى هذا أن في كل شيء دقائق، ولكل حيوان علامات تخفى على أنظار، وتدركها أنظار، وتنبهم على البعيد، ويدركها القريب، وأن المعرفة جلية وخفية. فعلى من لا يدرك أن يتثبت ولا ينكر، وعلى من ينظر ألا يثق بالنظرة الأولى، ويركن إلى الرأي الفطير. فوراء جلي العلم غامضه، ووراء ظاهر المعرفة باطنها، وفوق كل ذي علم عليم.

الجمعة 18 ذي القعدة/أول سبتمبر

السلطان بايزيد وأحد العلماء

بنى السلطان بايزيد العثماني، الملقب يلديرم؛ أي الصاعقة، مسجده الكبير في بروسه. هذا المسجد الجميل ذا القباب الكثيرة التي تتوسطها قبة زجاجية تلتقي تحتها أشعة الضوء وخيوط الماء المنبعث من النافورة.

4

ولما تم بناء المسجد ذهب السلطان ليراه، وكان معه الشيخ الصالح أمير بخارى، فطاف السلطان والشيخ معه بأرجاء المسجد وهو معجب بفخامته وجماله، فرح بما يسر الله له تشييده.

وقال السلطان للشيخ: ماذا ترى؟ وانتظر كلمة ثناء أو دعاء، ورجا أن يقول الشيخ: بارك الله في مولانا السلطان! لقد أرضى ربه ببناء مسجد عظيم. ولعله رجا أن يقول الشيخ: إن آباء السلطان من لدن جده عثمان، لم يشيدوا مسجدا كهذا على كثرة ما شادوا. ولكن الشيخ كان مشغولا بغير هذا، كان يفكر فيما يشاع عن السلطان بايزيد من شرب الخمر، فلم تصرفه أبهة الملك وجلال البناء عما أهمه من أمر السلطان، ووجدها فرصة لوعظ صاحبه وأداء واجبه، ولعله كان يردد في نفسه الآية الكريم:

يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله

أو الآية:

وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه .

قال الشيخ: مسجد فخم جميل؛ ولكن تنقصه حانة في إحدى زواياه ليغشاه السلطان بين الحين والحين.

سمعها السلطان فسكت، ولا أدري ماذا جال في نفسه؛ ولكن أحسب سورة الحق وجلال الدين وسطوة العلماء المخلصين أخذته من كل جانب فسكت صاغرا.

السبت 19 ذي القعدة/2 سبتمبر

ألم الخاطرات أو خاطرات الألم

يخطر للإنسان أحيانا خطرات من الاعتداد بنفسه واحتقار غيره، أو حب التزيد فيما له وبخس ما لغيره، أو تمني قهر الناس وإذلالهم أو الشماتة بهم.

ويخطر له أحيانا من مطامع لا توافق الحق، ولا تلائم الإباء والعفة، أو شهوات لا يحدها العدل ولا تنصرها المروءة.

ويسترسل الإنسان في أحاديث نفسه، ليبلغ بهذه الخطرات غايتها وينتهي بوساوسه نهايتها. ويشعر أحيانا شعور من يتمرس بهذه الأماني أو هذه المطامع والأحقاد، فيغضب ويرضى ويحزن ويفرح، مع ما بين الحقيقة والخيال من بون.

وهذه الأحاديث التي يتصرف فيها الخيال، وتؤثر في النفس بالانبساط والانقباض، والحب والبغض، والرضا والسخط، تاركة لا محالة في نفس صاحبها آثارا تستكن في السرائر وتخفى، ولكنها تعمل عملها. وكما يحدث الخيال المفرح فرحا، والخيال المحزن حزنا يحسهما المتخيل، كذلك يدع الخيال في قرارة النفس أثرا من الحب أو البغض والعدل أو البغي، والنور أو الظلمة، والطهر أو الدنس ... وهلم جرا.

الشوارد · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٥٣