والذي بدا لي أن الخير ائتلاف أو سبيل إلى الائتلاف، والشر تنافر أو وسيلة إلى التنافر. فعالم الطبيعة متجاذب، كل جسمين بينهما من الجذب ما يناسب كتلتهما والمسافة بينهما. وبهذا التناسب قامت السموات والأرض وسارت النجوم واتزنت الأشياء.
والأجسام الحية حياتها بالائتلاف وموتها بالتفرق، وكذلك جماعات الحيوان الأعجم والإنسان، باجتماعها وتعاونها تعيش وبتفرقها وتنازعها تهلك.
وكل ما يعده الناس خيرا هو ألفة حين تتأمل فيه أو وسيلة إلى ألفة، وكل شر هو فرقة أو سبيل إليها. فالكذب والسرقة والقتل والظلم وما إليها، كلها شقاق ونفور وافتراق، والعدل والأمانة والرحمة وأخواتها، اجتماع وائتلاف ومحبة.
وتستطيع أن تطرد هذا، ولعلي أفصل هذا في رسالة على حدة في الخير والشر.
الثلاثاء 15 ذي القعدة/29 أغسطس
نزعات الجسم وقوانين النفس
للجسم مطالب ينزع نحوها كلما احتاج إليها، وتشتد نزعته كلما اشتدت حاجته.
فهو يطلب الطعام إذا جاع، والماء إذا عطش، والنوم إذا نعس، والراحة إذا تعب ... وهكذا؛ نزعات متفرقة تختلف على الأوقات والحاجات. ولا يطلب الجسم الماء إذا لم يعطش، والطعام إذا لم يجع، والراحة إذا لم يتعب. فالأمر الواحد مطلوب في حين غير مطلوب في آخر، محبوب في وقت مكروه في غيره. ليس لهذه النزعات نظام، ولا لهذه المطالب عصام إلا الميل والنفور، والحاجة والاستغناء. فالإنسان بمطالب الجسم نزعات متعددة، وشهوات متفرقة لا تؤلف كيانا واحدا وقواما ثابتا، ونظاما دائما، ولكن للنفس قوانين تجمع نزعات الإنسان وتنظمها وتسيرها على سنن دائمة، فلا تبيح له الطعام إذا جاع إلا في حدود من صحة الجسم، وكرامة النفس، وحل القوت. تؤثر الجوع الطويل على الطعام المضر، بل الموت على مطعم الدني.
ولقد أبيت على الطوى وأظله
حتى أنال به كريم المأكل •••
وأستف ترب الأرض كيلا يرى له
علي من الطول امرؤ متطول
وهكذا القول في نزعات الجسم الأخرى. فالقوانين النفسية هي التي توجد الإنسان وتجعله ذاتا لها قوانينها وسننها توافق نزعات الجسم أحيانا وتخالفها أحيانا. وليس مرد هذه القوانين إلى العقل، فهو في أكثر حالاته مادي يوافق الجسم فيما يشتهي ويكره، ولكنه الوجدان الذي يهدي الإنسان ليرفعه على نزعات الحيوان، ويجعله نفسا وقواما ومذهبا ونظاما.
الأربعاء 16 ذي القعدة/30 أغسطس
أعز الناس
روي أن الكسائي مؤدب الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد، فرغ من مجلس التأديب يوما فتهيأ للخروج، فتنافس الأمين والمأمون في تقديم نعليه، وتسابقا.
وحضر الكسائي مجلس المأمون من بعد، فسأله الخليفة: من أعز الناس؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين. قال المأمون: لا، أعز الناس من يستبق وليا عهد المسلمين إلى تقديم نعليه إليه. قال الكسائي: ما رضيت بهذا، ولقد نهيتهما يا أمير المؤمنين. قال المأمون: لو منعتهما لأسخطتني، حذار أن تصدهما عن مكرمة يتنافسان فيها.
ولقد رأيت في صباي طلبة الأزهر يتداولون أيدي شيوخهم بالتقبيل بعد كل درس، وشهدتهم يتنافسون في حمل نعال الشيوخ إلى باب المسجد. هكذا كان إكبار التلاميذ أساتذتهم، وكذلك كانت المحبة والحرمة بين الشيوخ والطلاب.
فماذا نرى اليوم؟ نرى شيوخا وطلابا ليس بينهم إلا أن الأولين يلقون كلمات يؤجرون عليها، وهم في هذا الأجر متنافسون متشاكسون، وأن الطلاب يستمعون إلى كلمات كأنهم مكرهون على الاستماع إليها، لا يبالونها إلا بمقدار ما تجوز بهم امتحانا وتؤدي بهم إلى شهادة فوظيفة. لا محبة ولا حرمة ولا أدب إلا قليلا. فلتنظر الأمة أين تسير، ولينظر القوم على التعليم ليحولوا هذه الجماعات المحشودة في المدارس، وهذه الأوراق المكدسة بينهم إلى شيوخ وتلاميذ، ومعلمين ومتعلمين، وآباء وأبناء، وليجتهدوا أن يخلقوا أرواحا في هذه الأشباح.