تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحب سعادة الناس وفي البغض شقاؤهم، إن العالم قائم على الحب، وفي التنافر بين أجزاء العالم الانهدام والانفجار والانشقاق، وما إلى هؤلاء من معاني الدمار والخراب والفناء.

وهذا في الإنسان أبين لو نفذت النظرات، وصحت البصائر. وسبيل الحكماء والهداة على هذه الأرض أن يوقظوا المحبة في الناس ويزيدوها، ويتموها ويفيضوها على كل شيء، وأن يطبوا للبغضاء فيقلوها إن استطاعوا.

إن ذرة من البغض كشرارة من نار؛ إن وجدت وقودا ومشعلا ونافخا، التهبت وسيطرت وأحرقت اليابس والرطب. ورب شقاء بيت من ذرة من الكره وجدت ثقابها ووقودها بالكلمة الخبيثة والفعلة السيئة! ورب حرب متمادية بين الجماعات والأمم نشأت كما تنشأ النار من الشرار!

وكذلكم سبيل الحب: هو كالنواة الطيبة إن وجدت غارسا وساقيا ومتعهدا؛ علت وامتدت وأظلت وأثمرت وثبت أصلها وينع فرعها.

عليكم أيها الناس بالحب فأشيعوه، واجعلوه صلة الواحد بالواحد، والجماعة بالجماعة، واحذروا البغضاء أن تؤرثوها فتكون في الصدور نارا، وفي الأرض دمارا، وعلى التاريخ ثارا.

السبت 21 شوال/5 أغسطس

الذكر

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

أتأهب للسفر من جدة وقد لبثت في الحجاز سنتين، ذهبت فيها إلى نجد ثلاث مرات. وكم دعاني الشوق إلى مكة والمدينة فلبيت، وكم سارت بي الفكر والذكر والعبر في معاهد المدينتين المشرفتين، وكم طوفت في أرجائها كأني أطوف في العصور، وأجول في نواحي التاريخ! إن ذكريات المدينة ومكة وما حولهما لأعظم من أن تذكر في سطور، وأعز من أن يرضى القلم فيها بالعبور. وإن لها لصفحات في كتاب الرحلات، وإن لها في النفس صفحات أوسع وأجمل مما في الكتاب، وإن لها في الحقيقة صفحات أكثر وأجل مما في نفسي.

وغير مكة والمدينة مما ليس له شأنهما وجلالهما. كم سرت بين جدة ومكة، وبين جدة والمدينة فما والله ما مللت ولا شقت علي المشقات، كم عبرت أم السلم وبحرة، وحدة والحديبية، وطمحت إلى قمة حراء مرات حين قاربت مكة. والطريق بين جدة والمدينة على وعورتها ومشقتها قطعتها عشر مرات، فما شكوت ولا سلوت ولا صرفتني مشقة عن رجاء المعاد إليها. والسفر بين ينبع إلى الوجه ذهوبا وأوبة، وبين مكة والرياض سفرتين، تشوقني معاودته ومكابدته.

وما ينقص ذكراها إلا أني طويتها عجلان، ولم ألبث بها كما تمنت العين والقلب. إن كثيرا من الناس يرون في هذه القفار أرضا وعرة أو سهلة، وطريقا صعبة أو ذلولا، ولكني أقرأ فيها صفحات، وأسعد فيها بذكريات وأستمتع بها استمتاع الأديب يقرأ سطورا بليغة عسيرة، وهأنذا أفارق جزيرة العرب وما قضيت الوطر من معاهدها، ولا أديت حق التاريخ فيها. وفي النفس أمل في العودة، وشوق إلى الأوبة.

وتلفتت عيني فمذ بعدت

عني الطلال تلفت القلب

الأحد 22 شوال/6 أغسطس

في الطائرة يعرف الإنسان قدره

ركبت اليوم طائرة من جدة إلى القاهرة، وكثيرا ما ركبت طائرات كارها أو راضيا. وقد سجلت ما شعرت به حينما ركبت الطائرة أول مرة في مقال عنوانه: في جو السماء، وأثبته في كتاب «الرحلات الأولى».

واليوم لبثت في لوح الجو، أفكر في المركب الهائل، والمنظر الرائع، وانقطاع الراكب عن حوله وطوله، وقريبه ونصيره، وصحوه عن الغرور والكبرياء، وتنبهه إلى قدره ريشة في جو السماء، وعرفانه قوته وحيلته، ونسيانه ماله وجاهه. قلت: ما أضعف الإنسان، وما أشد غروره! هنا يقدر الإنسان نفسه، ولا يعدو قدره.

قالت نفسي: ولكن الإنسان سير هذه الطائرة في عنان السماء، ورفع بحيلته هذا الجسم الهائل في الهواء، وطير هذا البيت الكبير، فهنا يقدر الإنسان عقله وعلمه وصنعته ويعتد بنفسه. قلت: لا أجادل عظم الإنسان وسعة عقله وعلمه، ولكن ينبغي ألا تخدعه حقيقة عن حقيقة، فهو عاقل عالم صانع، وهو ضعيف ضئيل قاصر عاجز؛ يتمنى فلا يدرك، ويحاول فلا يقدر، عرضة للآفات هدف للمهالك. وهو على الأرض جبار يعز بقوته وجاهه وماله، وعشيرته وقومه، فتغلب عليه الأوهام وتحجب عنه الحقائق. فهنا في جو السماء فليعرف نفسه، وليزنها بميزانها، ويقدرها حق قدرها.

الشوارد · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٤٣