تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو في شبابه وغناه عف حكيم يستكبر على الدنايا ويأبى على الصغائر، كما قال أبو الطيب:

وترى الفتوة والمروة والأبو

ة في كل مليحة ضراتها

هن الثلاث المانعاتي لذتي

في خلوتي لا الخوف من تبعاتها

ذلكم الشباب الأبي يأبى أن ينقاد بالشهوات، ويخضع للأهواء، ويرى في هذا الإباء لذته، وفي هذه الكبرياء راحته، وفي هذا الحرمان وجدانه، وفي هذا العزوف وصله. والشباب الذليل تذهب به نزوة وتميل به شهوة، مغلوب على رأيه، مقهور على خطته، يصغر عن جهاد هواه، ويضعف عن كفاح مأربه، كالريشة في مهب الريح، وكالغثاء على الدأماء. فمن حسب الشباب خضوعا للشهوات فهذا يعده سيطرة عليها، ومن رآه للأهواء ذلة جعله هو عن الأهواء عزة، ومن قنع باللذات المتفرقة الحقيرة فهو يطمع في اللذة الكبرى الدائمة؛ لذة النفس الحرة الأبية تتخذ الشباب عدة للسيطرة والقهر لا وسيلة الاستخذاء والانقياد. ليت شعري! لم يكون الشباب قوة للأجسام، وضعفا للأرواح؟

الأربعاء 18 شوال/2 أغسطس

المشيب القوي

يا هند هل لك في شيخ فتى أبدا

وقد يكون شباب غير فتيان

في الناس من تنقص همته بزيادة سنه، وتسكن نأمته حين تضعف منته، أمانيه في حدود جسمه، تقوى بقوته وتضعف بضعفه.

وفي الناس نفوس عظمية هي أعظم من أن يحدها جسم، وأوسع من أن تقيسها سن، مقدمة لا تنثني، منطلقة لا تني. هي كما قال أبو الطيب:

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه

ولو أن ما في الرأس منه حراب

لها ظفر إن كل ظفر أعده

وناب إذا لم يبق في الفم ناب

يغير مني الدهر ما شاء غيرها

وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب

وكم ترى من شيب هم قادة حرب، أو ساسة ملك، أو أئمة علم، لا يفترون عن العمل، ولا ينالهم بالمشيب كلل. يجتمع لهم في المشيب العلم والتجاريب، فهم أحصف من الشبان بالعلم، وليسوا دونهم نشاط جسم. شيب هؤلاء على رغم السنين، أقوى من الفتاء عند آخرين. إنما هي قوة الأنفس تتجلى في الشباب والهرم، أو ضعفها يستوي فيه الحداثة والقدم.

إني لأعرف شيوخا في السبعين، هم أمضى جنانا، وأذرب لسانا، وأشد على الشدائد إقداما، وأثبت في اللأواء أقداما، من شباب خانعين لم يجاوزوا الثلاثين.

الخميس 19 شوال/3 أغسطس

الواجب كما هو

في الناس من يلبسون الهوى بالطاعة؛ يسارعون إلى الطاعة فيما يحبون، ويبطئون فيما يكرهون. يسايرون الأمة فيما يلائم منافعهم، ويمتثلون الأمر فيما يوافق مصالحهم، ويدعون أنهم يؤدون الواجب، ويقومون بالفرض. فإن امتحنوا بأمر يكرهونه وفيه صلاح الجماعة، عذروا وولوا، أو أطاعوا كارهين، وامتثلوا ساخطين.

وإنما أداء الواجب أن تؤديه في المنشط والمكره، وتصدع به فيما تحب وتبغض، وأن تتلقاه عزيمة لا رخصة فيها، وحزما لا تردد فيه، وجدا لا هوادة لديه، حتى لا يكون للرأي فيه تردد، ولا للهوى فيه خيار. هو الواجب تلقاه راضيا وتمضي به مقدما وتحتمله صابرا. وهو حلو عندك وإن أمر، ونافع وإن بك أضر. هكذا تمضي الجماعات والآحاد بواجباتها غير معذرة فيها حتى يكون أداء الواجب ديدنا لا مفر منه، وعزما لا محيص عنه، وحتى تقصد الأمة غايتها لا تقول: حزن وسهل، ولا يسير وشاق، ولا بعيد وقريب، ولكنه واجب وأداء، ودأب وظفر.

ذلكم قياس الصدق في الآحاد، وميزان الإخلاص في الجماعات. وذلكم يتجلى حين تمتحن الأمم الشدائد، وتبلوها المصائب. ولا يخالط الواجب منفعة، ولا يشوبه هوى، فالأمم الرشيدة يصفو في الشدائد جوهرها، ويصقل فرندها، ويبلى إخلاصها، فإذا هي قوامة بالواجب خالصا، لا رغبة ولا رهبة ولا يسر ولا مشقة. ومن الأمم والآحاد من تتحدث عن الواجب تلوح فيه المطامع، فإن طولبت بالواجب المر والفرض الحتم فيما تكره، تبين تلبيسها وبان كذبها.

الجمعة 20 شوال/4 أغسطس

الحب والبغض في الإنسان

في نفوس الناس الحب والبغض، الحب إلى غير حد، والبغض إلى غير نهاية. يعرف هذا الإنسان في نفسه، ويشهده في الناس حين يحسن المراقبة، ويجيد التأمل.

الشوارد · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٤٢