إنه هنا إن استصرخ لا يجد مصرخا، وإن فزع لا يجد مفزعا، وإن أحس الخطر لم يجد منه مفرا ولا عنه مزحلا، فإنما هو وطائرته فوق السحاب والعباب ... وإلى الله يرجع الأمر كله.
الإثنين 23 شوال/7 أغسطس
مسايرة الطبيعة
كان كثير من الناس في الزمن الغابر يخرجون على الأخلاق والآداب محتجين بمسايرة الطبيعة، كأن مسايرة الطبيعة حق وخير لا ينبغي العدول عنهما! وكذلك نجد في زماننا من يعتل بمسايرة الطبيعة، كأن كل ما هو في الطبيعة خير لا يسوغ الحيد عنه.
ولنا في إبطال المذهب حجتان:
الأولى:
أن كثيرا من أعمال البشر محادة للطبيعة، ومخالفة لها. فالناس يلبسون وقد خلقوا عرايا ويحلقون لحاهم وقد أنبتتها الطبيعة وينضجون الطعام ولم يخلق كما يريدون، ويسيطرون على مجاري المياه بالقناطر والسدود وفي هذا مقاومة الطبيعة. فلماذا لا يدعو هؤلاء إلى مجاراة الطبيعة في كل شيء؟ هذه الدعوى لا تستقيم، ووجدان الإنسان وعقله يكذبانها في كل عصر.
والحجة الثانية:
إن عقل الإنسان من الطبيعة التي يفتنون بها، ويخضعون لها، فإذا تصرف الإنسان في الطبيعة بعقله، لم يخرج على قانون الطبيعة؛ بل سلط الجانب المفكر منها على الجوانب غير المفكرة.
فما لهؤلاء المدعين يؤثرون الإسفاف إلى الطبيعة الجاهلة؛ مسايرة لأهوائهم وشهواتهم، ولا يرتقون مع الطبيعة العاقلة؛ إيثارا لما هو أجل وأبقى، وأوسع وأشمل، وأجمل وأحسن؟! أعني معاني العدل والخير والإحسان والنظام، والمروءة والعفة وما يشبهها أو يتصل بها.
الثلاثاء 24 شوال/8 أغسطس
لكل إنسان أفق عشق
هر كڴ حالنجه واردر بر تجليگاه عشق
بيستون فرهاده كوه طور شكلن كوسترير
لكل على قدره أفق عشق
ففي بيستون لفرهاد طور
3
النفوس مختلفة في نزعاتها، متباعدة في مطالبها، متباينة في هممها. منها الطامحة إلى المعالي، الدائبة سجيس الليالي، المقدمة على كل عظيمة لا تبالي. ومنها قنوع صاغرة، من العظائم نافرة، إلى الأرض مخلدة، نابية مصلدة، هيابة لا تقدم، مترددة لا تعزم.
ما أعظم ما يختلف إنسان وإنسان، وتتباعد نفس ونفس، وتتباين همة وهمة، وإدراك وإدراك! من الناس طموح إلى أعلى المعالي، يقصد إلى النار والنور في جنبات الطور، يريد تجلي الله لا يرضى بما سواه. ومنهم من همه «شيرين»، ومنهم من همه دون هذا ... وهلم جرا، حتى لا هم ولا طموح ولكنها نزعات قريبة، وشهوات حقيرة، وأقصى الهم البطن والفم. درجات صاعدة وهابطة، ونزعات طائرة وساقطة.
لفرهاد جبل بيستون حيث تتردد ذكرى شيرين، وهي همه وهمته، وأعلى ما بلغته منيته، هذا الجبل طوره، وشيرين ناره ونوره. هكذا لكل عاشق موضع للتجلي يغشاه، ومكان للإلهام لا يتعداه. هنا موسى وطور سينين، وهناك فرهاد وبيستون وشيرين.
الأربعاء 25 شوال/9 أغسطس
ولله يسجد من في السموات والأرض
ما أحسن ما أبان القرآن؛ كتاب الله الخالد عن وحدة العالم، ووحدة الخالق المدبر له، المهيمن عليه! هذا العالم كله؛ مواته ونباته وحيوانه، موحد بقوانين سارية فيه مسيطرة عليه، شاملة كاملة، لا تتخلف ولا تقصر ولا تتعطل. وهذه القوانين سنن الله الواحد الذي لا يزول ولا يحول، ووحدة الإنسان في آحاده وجماعاته من هذه الوحدة، وإن اعتراها خلل بالجهل والعدوان، فإنما هو خلل في ظواهرها، وقوانين الله سارية فيها مسيرة لا تعطل ولا تبطل.
كان الناس شتى في آحادهم وجماعاتهم وعقائدهم وتفكيرهم في هذا العالم وإدراكهم إياه؛ نفس الواحد شتى بأهوائها وأوهامها وخرافاتها، والجماعة شتى متنافرة بما تشت له نفس الواحد، والأمم شتى متقاتلة بما تشت به الجماعة، فجاء الكتاب المجيد فوحد النفس ووحد الأمم، ووحد العالم كله بتوحيد الله الخالق المسيطر على العالم سيطرة واحدة لا اضطراب فيها ولا انقطاع، والمتصل بكل نفس اتصالا لا تباين فيه ولا تفاوت. ونادى هذا الكتاب في الناس أن كل العالم متوجه إلى هذا الواحد، وكل الناس قبلتهم هذا الواحد، وأشاع التوحيد في كل شيء في السماء والأرض: