تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم رجعت إلى نفسي فقلت: إنك تقيس الأفكار بالأمتار! نعم، يسير القلم هذه المسافات في الدقائق والساعات، ولكن رب فكرة يلهمها كاتب تسير به وبالناس معه في طريق الكمال أميالا كثيرة في لمحات، ورب فكرة يفتن بها كاتب ترد الإنسانية وراء أو تهوي بها أسفل أميالا كثيرة في دقائق. سير الأقلام كسير الأفكار يأبى أن يحده زمان أو مكان، فلينظر كاتب كيف يسير قلمه، وليعتبر آثار ما يكتب في سعادة البشر وشقائهم وفسادهم وصلاحهم!

الأحد 15 شوال/30 يوليو

قصص أبي زيد الهلالي

كان لقصص أبي زيد الهلالي وما يتصل بها من واقعات المغرب، ولقصص تشبهها متصلة بتاريخنا، شأن بين العامة كبير، وأثر في نفوسهم بليغ. كان لها شعراء يقصون نثرها ويغنون شعرها على الرباب، وكان كثير من أهل القرى من غير الشعراء يعرفون حوادثها وينشدون شعرها حين يجمع مجلس جماعة منهم فارغين من أعمالهم.

وكان لأناسي هذه القصص حياة بين العامة يعرفون كلا بخصاله من الشجاعة والعفة والوفاء والسخاء وخصال أخر، وكل منهم يطمح إلى أن يتقيل واحدا من هؤلاء الذين تقص سيرهم. وكانوا يجعلونهم مثلا بينهم، فيقال: هذا كأبي زيد شجاعة أو كدياب بن غانم، وهذه كسعدى بنت الزناتي أو الجازية أخت السلطان حسن.

وكانت العصبية تثور بين سامعي القصص أحيانا، هذا يتعصب لرجل وهذا يتعصب لقرنه. وهذه العصبية تزيد القصص حياة ومثولا بين الناس، وتزيد السامعين حبا لهم واقتداء بهم.

وليس في هذه القصص إلا مكارم الأخلاق، ولم يكن في الاستماع إليها إلا دعوة إلى هذه المكارم؛ هذا إلى استمتاع الناس بها، واستغنائهم بها عن مجالس الشر، ومجامع الآثام. وقد حقرنا هذه القصص فقلت عناية الناس بها، وجدير بوزارة الشئون الاجتماعية أن تشيعها بين الناس فإنها أجدى في تربية العامة من كثير من المدارس ودور التمثيل.

الإثنين 16 شوال/31 يوليو

الحياة

هذا اليوم، اليوم الأول من شهر آب يذكرني بمولدي ويذكر بما بعد المولد من أطوار، وما في الأطوار من غير فيؤديني إلى التفكير في الحياة كلها.

أفكر في هذا النهر الذي ينبع من الأزل ويسير إلى الأبد، ما منبعه وما منتهاه وما مجراه؟ قلت في قصيدة من شعر الشباب:

إن هذه الحياة نهر عجب

صاخب الموج دائم الإزباد

مده في مجاهل الغيب نبع

جائش الماء دائم الإمداد

فجر الله نبعه في حماه

من وراء الأسماع والأشهاد

فهو آت من منبع الأزل المج

هول وجار لمظلم الآباد

فهل الحياة كما زعمت نهر جار بين طرفين مجهولين أو هي نبع فياض نراه ونسمع خريره، ثرار دائم مستقر، لا يقاس بجريه بين أوله ومنتهاه، ولكن بفيضه في مكانه؟

يخطر لي أن الإنسان إن استسلم للحادثات فجرت به كما يجري النهر بالغثاء، وقاس عمره بما بين المكان الذي حمله فيه الماء والمكان الذي ينتهي فيه إلى البحر، فالحياة أشبه بالنهر الجاري. وإن ثبت الإنسان على الحادثات وصرفها واستقر مكانه وسبرها، راسخا موضعه بالقوانين العامة الثابتة، فالحياة أشبه بالينبوع الفياض نراه مكانه، لا نجري مع الماء الذي يفيض عنه.

ومهما يكن فالذي لا ريب فيه أن الحياة عمل دائم وجهاد لا يفتر، وأن علينا أن نعمل غير مفكرين في الينبوع والنهر، وأن نثبت أنفسنا بالقوانين والشرائع لا نذهب مع الحادثات غثاء، ولا نطير مع الزمان هباء.

الثلاثاء 17 شوال/أول أغسطس

الشباب الأبي

في الناس من يجري مع الصبا طلق الجموح، ويهون عليه مأثور القبيح كما قال أبو نواس، حتى إذا ذهبت قوته وذبلت نضرته، ارعوى عن غيه وندم على جهله.

وفي الناس من هو في قوته كما هو في ضعفه، وهو في شبابه كما هو في هرمه، وفي نضرته كما هو في ذبوله، تكبر نفسه أن يخضعها الجسم قويا وتخضعه ضعيفا. بل يصرف أموره على الحكمة لا الهوى، وعلى الرشد لا الغي، يستوي عنده الشباب والمشيب، والفقر والغنى، والوجد والعدم.

الشوارد · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٤١