وقل من يدرك أن البيت الحرام في سرة واد يسيل حينا بعد حين، وأنه من أجل هذا رفعت أبواب المسجد الحرام فيصعد إليها الداخل درجات ويهبط عنها إلى المسجد درجات أكثر. لا يعرف هذا إلا مدقق في تقويم البلد وتاريخه، وإلا من شهد السيل جارفا يأتي من جهة منى حتى يمر في شارع القشاشية ويجتاز المسعى ويمر بجدران الحرم وينطلق في مجراه إلى المسفلة. رأيت مرة ماء ضحضاحا جاريا لبثت أرقبه وأنا على باب التكية المصرية، وذهبت إلى مكة عقب سيل عظيم علا حتى دخل إلى التكية وبينها وبين الشارع ست درجات، ودخل الحرم ولم تصده حواجز الخشب التي توضع على الأبواب، مر السيل فحطمها وانهمر فملأ المسجد وارتفع إلى الحجر الأسود. وحدثت أن الطواف لم ينقطع، بل اغتنم الطائفون الفرصة ليطوفوا حول البيت سابحين. ومن قبل قرأنا أن العوام أبا الزبير طاف بالبيت عائما فلقب العوام.
أمر يجدر بالمسلم التفكير فيه، كيف لم يحتط المسلمون لهذه السيول ولبثوا أحقابا يفجئهم السيل ثم ينسونه، أو يتخذون له سدودا لا تقوى عليه ولا تثبت له حين يدهمها؟! إن الأمر جدير بالاهتمام والتدبير والعمل الناجز، وعسى أن نسمع ونرى ما تفعله العزيمة والعلم لوقاية الحرم إن شاء الله.
الجمعة 13 شوال/28 يوليو
الصور المشوهة في البيان
للمجاز في توسع اللغة وتطورها شأن كبير، وأثر بليغ. وإذا تأمل الإنسان فيما يقرأ ويسمع من مقالات أدبية وخطب، يجد المجاز أكثر من الحقيقة؛ المجاز الذي شاع استعماله حتى ظن أنه الحقيقة، والمجاز البين الذي يذكر القارئ بنفس، وقد يسر للناس شيوع التجوز، أن يقرنوا بين صور غير متألفة يتوهمون أن المجاز تنسى صورته الأولى بنقله إلى المعنى الثاني. وهذا موضوع أوسع من أن يعالج في هذه الخاطرة، فحسبي أمثال قليلة من أمثال لا يحصيها العد يبصرها المتأمل في كلام الكتاب والخطباء. قرأت في صحيفة: «ولم تزل جراثيم الفساد قائمة على أصولها»، والجرثومة: التراب المتراكم حول الشجرة، أو أصل الشيء، فتصور جرثومة قائمة على أصولها من الصور المشوهة.
وقرأت في صحيفة أخرى: «يبنون صروحا من الباطل على سلسلة من المقالات»، فضحكت لصورة صروح قائمة على سلاسل.
وقرأت في إحدى الصحف: «قد محلت البلاد بعد إقبال»، والقارئ حين يقرأ محلت يتصور الجدب وما كان قبله من خصب، وتفاجئه كلمة إقبال بما لم ينتظر! وسمعت في إذاعة «أن فلانا أجرى مقابلة»، فقلت في نفسي: ليت شعري! كيف تجرى المقابلة؟!
وغير هذه الأمثلة أوضح منها وأغرب، ولكن يضيق المجال عن بيانها، وهذا مثل ابن دقيقة كتبت الآن لضيق المقام. ثم ذكرت أن مقام الإنسان لا يضيق ولا يتسع ولكن يطول ويقصر، فكتبت: المجال.
هذه دقائق أرجو أن تفصل في مقالات نوفيها حقها من البيان إن شاء الله .
السبت 14 شوال/29 يوليو
سير القلم
قدرت أن القلم لا يسير في يد الكاتب أقل من متر في الدقيقة لو استقامت الحروف التي يخطها، فكانت خطا واحدا مستقيما، فقلت: إن الإنسان الذي لا يسرع في الكتابة يسير قلمه على القرطاس ستين مترا في كل ساعة، فكم يكتب كاتب وسط في كل يوم وكم يكتب كل شهر وكم يكتب كل سنة وكم يكتب طول عمره إذا مد له في العمر؟
ثم قلت: وكثير من الكتاب تسير أقلامهم كما تسير أرجلهم فيخطون خطوطا ليست مجدية، ولكنها رياضة لليد على الحركة كما يجدي المشي في رياضة الرجل، إذا لم نحسب خسارة المداد والورق. وهؤلاء لا يكسبون شرا ولا خيرا.
وقلت: كثير من الكتاب يسرعون في الشر والفساد مسيرة ستين مترا في كل ساعة بما يكتبون، فإنما حركة أقلامهم على الورق كمشي السارق أو القاتل إلى بغيته.
وقلت: ومن الناس من يعمل للخير في كل ما يكتب، وينير للعقل والعاطفة في كل ما يخطر، فهو يسير في الخير ويسرع في الإصلاح ستين مترا في كل ساعة.