ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون .
وقد قيد طرفي وانطلق إعجابي في سفرتين مررت فيهما بمكان اسمه الدفينة في نجد على طريق الذاهب إلى مكة، فرأيت ازدحام الإبل على الآبار، والناس يمتحون الماء فيصبونه في أحواض صغيرة من الجلد نصبت على قوائم، والبدويات من قبيلة عتيبة في جمال وخفر، وفي عيونهن وطف وحور، وقد تلثمن على الأنوف والأفواه وأطلقن العيون من حجبها، جمال ليس فيه إلا صبغة الله، وتصون يذكر بقول الغزي الشاعر في البدويات:
ولا خفير لعين الحسن كالخفر
وقفنا وقفة لم تطل، وددت لو طالت وعادت، وذكرنا كذلك قول أبي الطيب:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
أين المعيز من الآرام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب؟!
الثلاثاء 10 شوال/25 يوليو
الوقت
طارت بنا طائرة من الرياض إلى الحوية على جبال الطائف في ساعتين ونصف، مسافة تكلفها السيارة في ثلاثة أيام، وتعمل فيها الإبل عشرين يوما! طويت المسافات وزويت الأرض وقرب البعيد، وكنا وعدنا أن يلقانا ناس في المطير
2
فلم نجد أحدا ينتظر، وسألنا فلم نظفر بخبر، وأعملنا الهاتف وألححنا حتى جاء من نرجوه بعد ساعتين من بلوغنا الطائف، وبعد ساعة ونصف من بلوغ الطائرة التي كانت تقلنا جدة.
قلت وا عجبا! طوى بعض الناس الأرض بعقولهم وعزائمهم وأيديهم فجمعوا مشرقها والمغرب، وسووا البعيد بالقريب، وكأنما وصفهم البارودي حينما قال:
بعيد مناط الهم فالغرب مشرق
إذا ما رمى عينيه والشرق مغرب
ولا زال بعض الناس عاجزين عن قطع المسافات قريبة على الأرض، قادرين على طي الوقت سدى. إنما البعد والقرب، والعجز والقدرة أصلها في نفس الإنسان، ومنشؤها في خلقه، فما المسافات على الأرض إلا صور للمسافات في الأنفس. يدرك الإنسان الأمر فلا يفكر في عمله، أو يفكر فيه فلا يهم به، أو يهم به فلا يعزم عليه، أو يعزم عليه فلا يدوم به العزم. وبين التفكير والهم، وبين الهم والعزم، وبين العزم والإنجاز، مسافات تطول وتقصر، وربما تمضي السنة في أمر يقضى في يوم، أو يمر يوم في أمر ينجز في ساعة. في طي هذه المسافات النفسية يختلف الناس، ويبدو هذا الاختلاف في المسافات الحسية يبصرها الناس ويغفلون عن أصولها في الأنفس.
الأربعاء 11 شوال/26 يوليو
أين عكاظ؟
لعكاظ صيت ذائع في أدب العرب وأخبارها، وقد ذكرته كتب البلدان وبينت معالمه على اختلافها في البيان والإبهام، والإيجاز والإسهاب.
وحرص المعاصرون من الأدباء والمؤرخين على تبيين مكان عكاظ، فقال بعضهم ظنا دون تثبت، وقال بعضهم حزرا دون تبين. قيل: إنه المكان الذي يسمى اليوم السيل الكبير، وقيل: بل هو السيل الصغير، وكلاهما في الطريق من مكة إلى الطائف، الأول دون جبال الطائف والثاني فوقها.
وقد ذهبت أمس إلى موضع قيل إنه هو عكاظ، وكان معي الشيخ محمد بن بليهد فقمنا على حرة هناك، وسردنا أقوال المؤرخين، وأصحاب التقويم، وقرأنا أرجوزة الرداعي اليماني التي ذكر فيها طريق الحج من صنعاء فتوفرت الأدلة، واجتمعت البينات على أن هذا المكان هو عكاظ الذي وصف في كتب التقويم والتاريخ، ورجعنا موقنين أنا رأينا عكاظ بلا ريب. قلت: ليت شعري! علام عول الذين زعموا عكاظ مكانا آخر؟ وقلت: إن كثيرا من الاختلاف بين الناس يرجع إلى التسرع إلى النتائج قبل استيفاء المقدمات، والسكون إلى الظن، والاستراحة إلى الحزر. ولو تثبت الناس قبل الدعوى وراثوا في تتبع الأدلة، وصبروا حتى يتضح البرهان ما وقع بينهم الاختلاف في كثير مما اختلفوا فيه، ولكنه الظن المفرق والوهم المضل، وصدق الله العظيم:
إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا .
الخميس 12 شوال/27 يوليو
السيل في الحرم
الذين يذهبون إلى مكة فيجوسون خلال دورها، ويجوزون شوارعها ودروبها تحجبهم الأبنية عن رؤية البلد على طبيعته بين جباله وأوديته، بل يسعى الحجاج جميعا بين الصفا والمروة وكثير منهم لا يرى الصفا؛ لأن الأبنية على سفحه تحجبه عن الأبصار! ولا يدرك زائر مكة خططها حتى يصعد على أحد جبالها فيرى كيف تقسمها الجبال والأودية، وكيف تمتد الشوارع بينها وكيف تصعد البيوت على السفوح في جهات وتعلو الجبال في جهات.