وطعامه وشرابه ولذاته الحسية، وقدرته على العمل لها حدود قريبة؛ فلذة الطعام تنقلب عيفا حين يشبع، والرغبة في العمل تصير نفورا حين يكل، وقدرته على الشيء في حال تحول عجزا في أحوال. ولكن شغفه بالمعرفة ونزوعه إلى الاطلاع، ولذاته الروحية التي يدركها في كل جميل حسي أو معنوي وينالها في الحب على كثرة أشكاله وضروبه، كل أولئك غير محدود؛ لا يحده زمان ولا مكان ولا حال. فالإنسان إذن صغير بجسمه وصورته وما يتصل بالجسم والصورة، غير محدود بروحه ومعناه، وما يتصل بالروح والمعنى.
روح الإنسان موصولة بالله سبحانه، والله هو الأول والآخر والظاهر والباطن المحيط بكل شيء الذي لا يحيط به شيء.
فليدرك الإنسان هذه الصلة ويقدرها، ويجتهد أن يعلو بها على الحدود الحسية والقيود الجسمية، حتى يتصل بالمعاني الجميلة العامة المتلائمة، وينفصل من المعاني القبيحة الجزئية المتنافرة؛ ليطمح إلى غير المحدود ويخلص من سجن الزمان والمكان وقيود الأحوال والأشكال.
الثلاثاء 1 رجب/18 أبريل
النظام والإتقان
أزمعنا سفرا طويلا، وعزمنا على التبكير به. ولم يكن السفر فجاءة، فقد روينا فيه وتأهبنا له، ولكن أخرنا الإهمال والإمهال حتى خرجنا والساعة أربع نهارا (قبل الظهر بأقل من ساعتين)! وإنما أخرنا التهاون والاستخفاف بالمواقيت، بل إعواز النظام، والنظام قوام الأعمال كلها.
هو في الزمان إحكام المواعيد والمحافظة عليه وتأدية كل عمل في حينه، وحين كل عمل موقوت بأسبابه ودواعيه. وتأخير العمل عن حينه تضييع للفرصة، وإخلال بالعدة ووضع للأمر في غير موضعه، وأن تضيع وقته لتزحم به وقتا أعد لغيره ولم يهيأ له.
والنظام في المكان وضع كل شيء في موضعه، وإحلاله محله المهيأ له والذي ييسر وجدانه والانتفاع به.
والنظام في الفكر أن تتسلسل المقدمات على ترتيب حتى تفضي إلى نتائجها.
والنظام في النفس أن تسير على قوانين لا تحار ولا تتردد.
والنظام في الجماعة ائتلاف أفرادها على قانون جامع، وتعاونهم على أمر مقدور؛ لتعمل متعاونة غير متخاذلة ومتآلفة غير متصادمة.
وكذلك النظام في الخليقة كلها. أحسب النظام - وإن شئت فسمه الوئام والوفاق والحب والسلام - قوام كل الأمر في الخليقة وفي نفس الوحدان والجماعات والأمم، وفي أقوالها وأفعالها وسياساتها.
تأمل تجد الأدلة قائمة والحوادث في الأنفس والآفاق شاهدة.
الأربعاء 2 رجب/19 أبريل
بركة الحاج
أجلس الآن على حافة بركة الحاج في الطريق إلى مهد الذهب؛ وهو إلى الجنوب والشرق من المدينة على مسيرة 270 كيلا، وهنا مفترق طرق ذاهبة إلى المدينة ومكة والطائف ونجد والعراق. أفكر كم ورد هذه البركة من حجاج الأوطان والأزمان، وكم عكس الماء من صور وأروى من غلة ورحض من دنس! ثم ذهبت الأشباح والظلال، ورحلت القوافل ثم تفرقت، ثم مضى بركبها الزمان المتدفق في مجراه من أزل الله إلى أبده.
وأكرهت نفسي أن تعدل عن حديث التاريخ والذكر والعيش والموت والفناء والبقاء إلى هذا المرأى الحي النضير؛ في هذه الصحراء ماء جار بجانب حرة يتوغل في أصول الشجر حتى يكل عنه البصر. شغلني هذا الجمال حينا ثم عدت أفكر، قلت: إن هذا الماء الذاهب سدى في هذه الأرض، لا يجد من يعنى به وينظر كيف ينتفع به، ولو وجد من يفكر ويعمل لكان له منافع، أيسرها أن يبنى له حوض كبير غير هذه البركة العتيقة ليسقى به زرع وشجر، ثم يروق بعضه ليستقي منه من يمر من الحجاج في الموسم، وكل من يمر به طول السنة. وليس محالا أن يبنى هناك فندق أو منزل يأوي إليه المسافر لينعم بالماء والظل والراحة والسكون، بعد العطش والضحا والتعب والجهد.
إنه أمر يسير ولكنا لا نفعل كل يسير. إن الأمريكان مهدوا الطريق الذي أدى بنا من جدة إلى هذه البركة؛ لأن لهم شركة تستخرج الذهب من مهد الذهب، وهذه البركة في طريقنا إلى المهد. ولكنا لم نمهد الطريق إلى المدينة وهو طريق الحاج من أقطار شتى، والمدينة أعز عندنا من ألف شركة. فليت شعري متى ندرك فنعزم فنعمل فنبلغ ما نريد! (انظر وصف البركة في الرحلات الثانية في الفصل من جدة إلى المدينة.)