قلت: اكتفوا بالحقائق الجليلة الغنية عن العناية بالمظاهر والتجمل بالبناء والأثاث.
الإثنين 18 رمضان/3 يوليو
المحاربة بالخنافس
سمعت الليلة في إذاعة لندن أن حكومة ألمانيا الشرقية الخاضعة للروس تتهم الولايات المتحدة بأنها تلقي من طائراتها ضربا من الخنافس، اسمه «خنافس كلورادو» وهي من أشد آفات البطاطس.
وقد ردت بعض الصحف البريطانية بأن هذه الخنافس منتشرة في شرقي ألمانيا وجنوبيها وأقاليم أخرى وأنها سريعة الانتشار، وقد عبرت نهر المسيسبي. وهي تعبر الأنهار وتغير من بعض الجزر البريطانية على أوروبا، فليست في حاجة إلى أن تحمل في طائرات وتلقى منها. وقد سمت جريدة مانشستر جارديان الإنجليزية هذه الخنافس بالخنافس الفاشية.
سمعت الإذاعة وضحكت والتفت إلى سيدة في المجلس فأخبرتها بالخبر، فقالت: أفعال صبيانية! قلت: أجل، إن كان الخبر كذبا فالذين اخترعوه صبيان، وإن كان صدقا فالذين ألقوا الخنافس صبيان، ولكنهم صبيان سوء. وحسب أوروبا أن تبلغ في عدائها وحربها هذا المستوى، وحسب العالم صغارا وعارا أن تشغل دوله وجرائده ومذياعاته بمثل هذه التهم، ومثل هذا الجدل، والله المستعان.
الثلاثاء 19 رمضان/4 يوليو
مقتل علي
سمعت الليلة مذيعا من دهلي يحدث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فتذكرت أن اليوم ذكرى مقتله، وجال فكري عجلا في التاريخ، وتمثلت هذه الجريمة الفظيعة والجناية المشئومة في تاريخ الإسلام. ولكني عزيت نفسي بأن عليا كان سيموت إن لم يقتل وبأن تاريخ البشر مملوء بأمثال هذه الجنايات، وأن الأمر كما قال الله في القرآن:
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون .
وكان فكري تأمل طويلا في إقدام ابن ملجم على قتل علي، قلت: لقد قتل عمر من قبل في مسجد رسول الله؛ ولكن كان قاتله عجميا مجوسيا أراد أن يثأر من المسلمين ففجعهم في عمر العظيم وهو يتقدم للإمامة في المسجد النبوي، وهذا ابن ملجم مسلم وعربي، فكيف أقدم على هذا الإثم الفظيع؟!
قلت: هذا هو الشر الكبير؛ أن يضلل الجهلة الأغبياء فيقدموا على أفظع الفظائع وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ظن ابن ملجم أنه يتقرب إلى الله بدم علي، ووجدنا من يقول فيه:
يا ضربة من تقي ما أراد بها
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
وهذا هو الشر الذي لا يزال يصيب البشر في عظماء الناس حينا بعد حين، فيقتل أخيارهم بأيدي أشرارهم أو يصيب علماءهم بجهل جهلائهم، فليتق الله الذين يتكلمون ويجادلون، فيثيرون الجهلة الأغرار وينقلب كلامهم في نفوس هؤلاء الجهلة الحمقى ضلالا وغرورا، وحقدا وقتلا، ثم لا يستطيع البشر كلهم أن يتداركوا الأمر ويأسوا الجرح.
الأربعاء 20 رمضان/5 يوليو
أحسن الأوقات ما أنت فيه
وقفت اليوم في شرفة من دار المفوضية في جدة أنظر إلى الشمس وهي مضيفة للغروب وردة صافية، والأفق حولها أبيض إلا ما لونته أشعتها، قلت: ما أجمله مرأى، وما أجمل هذا الوقت في رمضان! إن من محاسن هذا الشهر أن أوقاته محسوبة مرتقبة، ترقب المغرب والفجر، وتحسب ساعات النهار والليل، وهذا بعض ما فيه من تغيير في هذه المعيشة المتشابهة.
ثم خطر لي أني في الأصائل من الأشهر الأخرى أمشي على ساحل البحر مرحا، أقسم تأملي بين السماء والماء، وأنا في رمضان لا أستطيع خروجا ولا مسيرا؛ فثار في نفسي الجدال بين أوقات رمضان وغير رمضان واستطردت إلى قياس الأزمان والتفضيل بينها: الشتاء والصيف، والليل والنهار ... وهلم جرا.
فلما ترددت نفسي في الموازنة بين الأوقات، فجأني إلهام من الغيب: إن هذا للعجز؛ إن العجز أن يخضع الإنسان لسلطان الوقت بين حره وقره وأحواله المختلفة. إن وقتك أنت، فما أحسنت فيه فهو أحسن الأوقات، وما أسأت فيه فهو أسوأ الأوقات. بل خير أوقاتك حاضرك، فهو فرصة التقدم ونهزة الكمال.