الجمعة 15 رمضان/30 يونيو
العدل والهوى
هجمت جيوش كوريا الشمالية، وهي في حضانة الروس الشيوعيين، على كوريا الحنوبية، وهي في حضانة الولايات المتحدة الأمريكية. هجمت بغتة دون إنذار فثارت الولايات المتحدة صائحة: وا رحمتاه للضعيف يفتك به القوي، وللحرية يعصف بها الطغيان! ويل للأمم من الشيوعيين الغدرة الفجرة! النجدة النجدة يا أحرار الأمم ...
واجتمع مجلس الأمن بعد ساعة، وقرر أن يطلب من المهاجمين الرجوع إلى حدودهم ومن الفريقين الكف عن القتال، ومن أمم الأرض نجدة كوريا الجنوبية لدفع العدوان عنها.
ولمصر مندوب في المجلس سألوه رأيه، قال: حتى أستأمر حكومتي. واهتمت الحكومة المصرية ووالى وزراؤها الاجتماع ينظرون ماذا يفعلون، ثم خرجوا على العالم بهذا الرأي الجريء الصريح:
إن هذه القيامة في أمريكا وألفافها من أجل كوريا، ليست إلا وجها من أوجه الخصومة والتنازع بين روسيا وأنصارها، وأمريكا وأحلافها. لم يقمها دفع على الحق، ولا غيرة على الحرية، وإلا فكيف استغاثت مصر فلم تغيثوها، وشكت فلم تشكوها، وتظلمت فلم تنصفوها؟ وكيف سلطتم عسف اليهود وظلمهم وقسوتهم على العرب، حتى قتلوهم وشردوهم، ولم ترثوا للعدل، ولم تبكوا على الحرية؟ إنكم تكيلون بكيلين، وتزنون وزنين، ولو صدقتم لقمتم بالقسط بين الناس سواء، ولم تحرموا الغدر عاما، وتحلوه عاما. قد جربنا كذبكم ونفاقكم، وعرفنا جلية أمركم، فاذهبوا فلسنا معكم.
السبت 16 رمضان/1 يوليو
دار خديجة
ما أعظم هذه الدار وما أجلها وما أبركها، وما أكثرها جدوى على المسلمين وعلى البشر أجمعين، وما أقدسها ذكريات وأعطرها نفحات!
إنها دار خديجة التي تزوج بها الرسول وعاش فيها، حتى هاجر إلى المدينة، والتي ولد فيها أولاده الذين ولدوا بمكة، أولاده كلهم ما عدا إبراهيم، وفيها نزل الوحي، نزل معظم القرآن الكريم، فيها ولد الإسلام ونشأ ودرج وترعرع.
يكاد زائرها يسمع دوي القرآن، ويتمثل خاتم النبيين في صلاته ومناجاته، ويرى حركاته يقابل الناس هاديا ومعلما وملقنا كتاب الله .
أي دار على وجه الأرض هي صلة الأرض بالسماء، والدنيا بالدين، كهذه الدار المباركة.
قد عني بها المسلمون وعمروها جيلا بعد جيل؛ ولكنهم لم يقدروها قدرها، ولم يوفوها حقها. وقد بناها اليوم أحد الأخيار لتكون مدرسة، شادها الشيخ عباس القطان جزاه الله خيرا. ما أجدرها أن تكون مدرسة للقرآن، وهدى للإسلام، لا أن تكون مدرسة كالمدارس التي تلفى في كل مدينة وقرية.
وينبغي أن تكون بها مكتبة تحوي المصاحف وكتب السنة، ويقصدها المسلمون من آفاق الأرض؛ إنها مهد القرآن والحديث.
أيتها الدار المباركة، ما أعظم ذكراك نعمة على البشر، ومعراجا للأرواح!
الأحد 17 رمضان/2 يوليو
بين المظاهر والحقائق
من لم تشغله الحقائق عني بالصور، ومن أعوزته المعاني دار مع الألفاظ، ومن لم تستأثر به عظائم الأمور شغلته صغائرها، ومن لم يعتد بعلم أو خلق أو عمل نافع، أولع باللباس والزينة والأثاث والمال. وهكذا تستطيع أن تعدد الأمثال، وتوالي القول على هذا المنوال.
ومن أجل ذلك كان العلماء والصالحون والأخيار في شغل بعلومهم وأعمالهم من العناية بالصورة، وفي كلف برعاية الباطن يصرفهم عن رعاية الظاهر.
وليس عيبا أن يجمع الإنسان بين الحقيقة والصورة، وبين الظاهر والباطن، وبين جمال النفس وزينة الجسم. ولكن العيب أن يركن إلى الصور والظواهر، ويستهين بالحقائق والبواطن.
أثار في نفسي هذه الفكر أني سمعت الليلة محدثا في إذاعة لندن يصف دار جريدة التايمس، وناهيك بالتايمس صيتا وسلطانا، وغنى ومكانة في المشرق والمغرب. وصف هذا المحدث دار التايمس فقال: إنها دار عتيقة موصل بعضها ببعض، يسير زائرها في طرق ملتوية، ويمر بأبواب قديمة، ولا يجد أبهة في مجالس الكتاب والمديرين، ولا زينة في أثاثهم.