أيها الحر المقدام الذي لا يخضع للزمان والمكان! اجهد أن يكون خير أوقاتك ما أنت فيه.
الخميس 21 رمضان/6 يوليو
انف عن فكرك وكتابتك الصغائر
سمعت أيام الشباب أن أستاذا إنكليزيا كان يقول لتلاميذه: إن مقدرة الباحث تبين فيما يحذف أكثر مما تبين فيما يثبت.
وشهدت صدق هذا القول فيما نقدت من رسائل الطلاب في الجامعات؛ إذ رأيت الطالب يكتب ما لا يحتاج إليه، أو يزيد على مقدار الحاجة فيما يحتاج إليه. وهذا عجز عن التمييز بين ما هو من الموضوع وما هو غريب عنه، وعن إدراك المقدار الذي يلائم البحث والذي لا يلائمه، وربما يدل الطالب على جهله أو عجزه بالإثبات أكثر مما يدل بالحذف.
ويمكن أن تطرد القول فيما تفكر فيه وما تقرأ. فكم يفكر الإنسان في لغو أو شر يشغله عن التفكير في الصالح من الأمور أو الجميل منها، ثم يدع في النفس أثرا سيئا!
وكم يقرأ الإنسان ما لا يستحق أن يشغل البصر والفكر فيخسر قراءة ما ينفع، ولا تخلو قراءة اللغو والباطل من أثر سيئ في نفس القارئ!
فليجتهد المفكر أن يجتنب، فيما يفكر فيه وفيما يكتب ويقرأ، النوافل والتوافه والسيئات.
وليعمل المعلمون على أن يعلموا تلاميذهم أن يشغلوا أنفسهم بالخير عن الشر، ويريحوا عقولهم من عناء التفكير في اللغو أو الباطل، ويكفوها مئونة ما لا خير فيه.
الجمعة 22 رمضان/7 يوليو
الأذان بين التركية والعربية
الأذان شعار المسلمين في أرجاء الأرض، وهو مؤلف من عشر كلمات يعرفها كل مسلم؛ فقد دخلت في لغته، وتمكنت في نفسه أكثر من نظائرها في لغة قومه. ولم يكن بالترك حاجة إلى التأذين بالتركية، ولكنها الثورة على سنتنا والرغبة في الخروج من تاريخنا.
الترك يخطبون في مساجدهم بالتركية إلا تحميدا بالعربية في أول الخطبة وآية أو حديثا، وإلا ختما بدعاء أو آية أو حديث. وهم بهذا يجمعون بين التمسك بلغة القرآن وخطاب الناس بلغتهم، وهي طريقة حميدة. وليس منصفا من يلزمهم أن يخطبوا بالعربية والناس لا يفهمونها. ولكن الأمر في الأذان غير هذا؛ فهو شعار يفهمه كل مسلم.
وقد أجمع من سمعوا الأذان التركي من عرب وعجم على أنه لا يشبه الأذان بالعربية في اتزان الكلمات وحسن المقاطع، وحسبك أن تعلم أنهم ترجموا «أشهد»، هذه الكلمة الواحدة بقولهم: «شبهه يوق بيليرم، بيلديررم»؛ أي لا شبهة أني أعلم وأعلم. وشتان بين: الله أكبر، يمتد فيها الصوت وينتهي حسنا رائعا، وبين: «تنكري أولودر.»
لقد أحسن الترك حين محوا هذه البدعة فرجعوا إلى الأذان الإسلامي. إني على يقين أن الأمة التركية فتحت آذانها وقلوبها لهذا الأذان، وطربت في سرها وجهرها بهذه الألحان.
فليت شعري! هل فرحت مآذن جوامع الفاتح والسليمانية والسلطان أحمد وبايزيد وأخواتها فكبرت فرحا، وأنست إلى النغمات التي ألفتها، وأصاخت إلى الكلمات التي افتقدتها؟
السبت 23 رمضان/8 يوليو
الفروق بين الناس
خلق الله الناس مختلفين في صورهم ومواهبهم؛ تختلف أمة عن أمة، وجماعة في أمة عن جماعة، وأسرة في جماعة عن أسرة، وفرد في أسرة عن فرد.
ولا يضرنا أن يختلف الناس في معايشهم كما يختلفون في صورهم ومواهبهم، بعد أن ينال كل منهم ضرورات العيش من القوت واللباس والمسكن. هذه الضرورات ينبغي أن يتعاون عليها الناس على اختلاف أرزاقهم وأقدارهم حتى ينالها كل منهم. فليس من الإنسانية أن يكون في الأمة عاجز عن الكفاف من القوت وعن اللباس والمسكن؛ هذا المقدار لا يسوغ الاختلاف فيه.
فإذا نال كل إنسان ضرورات العيش فدع الناس يتسابقوا في الفضول، يجهد كل منهم ليله ونهاره ليكسب ويجمع ويدخر، فكل ما يعمل بجهده واختياره إنما يعمله لخير الأمة كلها وإن لم يقصد إلى هذا الخير. وتكفى الأمة المراقبة والمحاسبة والقهر والإجبار، والشبهة والتهمة، من المساوئ التي نجدها في الأمم التي تمنع الملك والادخار، ويكفى الفرد العبودية والتسخير.