تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكرت هذا حين أحتفل اليوم بذكرى محمد علي باشا في التكية التي أسسها في مكة قبل مائة وثلاثين عاما، فما زالت هذه التكية تمد المساكين بالطعام كل يوم، وتمد الأسر الفقيرة كل شهر. فكم أطعمت جائعا، وسترت أسرة كريمة من الذين قال فيهم القرآن:

يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ! بل كم ورد حوضها من حمامة وعصفور، ودجاجة وهرة لتروي ظمأها في حر مكة! ما جلست في التكية فرأيت وفود البائسين يأخذون الطعام لأنفسهم ولأسرهم إلا دعوت لمحمد علي وفاضت نفسي شفقة وعطفا على البائسين.

ولا جلست عند النافورة فرأيت الحمام يهفو إليها زرافات ووحدانا ليعب الماء، والعصافير تسقط واحدا بعد آخر فتحسو وتطير ثم ترجع، إلا دعوت لمحمد علي وقلت: ما أجمل البر بحيوان الأرض والسماء!

رحم الله كل بر بالناس، رفيق بالحيوان. وفجر الله ينبوع البر في كل قلب، وهدى الناس إلى البر في كل عمل، وأفاض نفس الإنسان رحمة على كل إنسان وحيوان.

الأربعاء 13 رمضان/28 يونيو

الخطرة واللمحة والمصادفة

لا تحتقر الخطرة في فكرك، واللمحة من بصرك، والمصادفة في عملك؛ فربما فتحت كل واحدة لك سبلا، ومدت أمامك آفاقا. وكم من اختراع أدت إليه خطرة لم يحقرها صاحبها، وهدت إليه لمحة لم يهملها لامحها، أو نبهت إليه مصادفة لم يغفل عنها المصادف!

ولعل أكثر ما يميز بين المخترعين والمفكرين والمؤلفين وبين غيرهم اهتمام أولئك بكل ما يعرض لهم، والتأمل فيه ووصله بما يليه، ومتابعة البحث والضبط والاستقراء حتى يهتدى إلى نتائج؛ فتخترع الآلة أو توضع النظرية، أو تؤسس قواعد علم.

هداني إلى هذه الكلمة أني تنبهت من رقادي اليوم وأنا صائم، فأحسست الهمود والكلال، فلم أهم بعمل يحتاج إلى مئونة من الجسم أو الفكر. ونظرت حولي إلى متناول يدي فرأيت مجلدا من كتاب «الذخيرة» لابن بسام، وقد رأيته من قبل مرات فلم أعبأ به، ففتحته على فصول للكاتب العبقري ابن شهيد، فحي في نفسي الإعجاب بهذا الرجل النابغ. وذكرت ما جال في فكري حينما أشرفت على نشر أقسام من هذا الكتاب، أن ابن شهيد جدير أن يشاد بذكره، ويعترف بمكانته، وعاودني الأمل في أن أخرج كتابا عنه يلفت النظر إليه، ويدعو الآباء إلى العناية به، وتقصي أخباره وآرائه ورسائله.

قلت لنفسي: إن تناول هذا الكتاب على كسل وتهاون، أثار في الفكر هذا كله، فإن صح عزمك فستخرج هذه اللمحة أو المصادفة كتابا عن «ابن شهيد».

وتلك الأمثال نضربها للناس .

الخميس 14 رمضان/29 يونيو

ضوضاء هذه المدنية

هذه مدنية ذات ضوضاء شديدة؛ ضوضاء حسية وضوضاء معنوية، ضوضاء نفسية وضوضاء خارجية في الأنفس والآفاق.

فالإنسان حيثما ثار وحيثما سكن تقلقه الأصوات من كل جانب، من السيارات والقطارات والمذياعات والمجاهر والمصانع وغيرها. أصوات تأخذه من كل ناحية في الطريق لا يجد عنها محيدا، وتتبعه إلى داره فلا يجد عنها مفرا.

ثم الضوضاء النفسية من المذاهب المتصادمة، والدعوات المتناقضة، والمقالات المتلاحقة في القيم والتافه، والجد والهزل. تعرضها على من يريدها ومن لا يريدها، ومن يفهمها ومن لا يفهمها، الجرائد والمجلات والمحاضرات والإذاعات وهلم جرا.

فالإنسان من هذه المدنية في ضوضاء ظاهرة وباطنة، تقلق بها النفوس وتضوى بها الأجسام. وأحسب كثيرا من العلل النفسية والجسمية وليدة هذه الضوضاء. ولكن الإنسان يعيش في هذه الآفات فيألفها فلا يفطن لها ولا يبرم بها، أو يفطن لها وينفر منها ويضيق بها، ولكن أين المفر؟

لعل أسوأ آفات هذه المدنية هذه الضوضاء؛ إنها اضطراب في النفس وقلق، وسقم في الفكر وخلل، وتعب في الجسم ومرض.

إن على الإنسان أن يفر من هذه الضوضاء جهده، ويطلب الهدوء والسكون بعيدا عنها ما استطاع. وإن على الحكومات أن تتعاون على التخفيف منها، وتغليب الإنسان عليها، بمنع ما يمكن منعه، والحد مما يمكن حده ... وهكذا. وما يدرينا؟ لعل هذا الخصام والنزاع والاحتراب كله أو بعضه من آثار هذه الضوضاء التي تدوي بها هذه المدنية الخرساء!

الشوارد · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٢٩