تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقرآن تنبعث نغماته فتخالط الضياء والهواء، وكأن نغماته متصلة منذ قرأه الرسول الكريم حول الكعبة أول مرة.

والتكبير يدوي في الأرجاء كأنه توقيع في هذه الموسيقى الروحية التي يؤلفها نور المصابيح وأشعة القمر وخفقات النسيم وتلاوة القرآن.

كنت أشغل عن الصلاة حينا بالتأمل في هذا المشهد العظيم، أقول: وما عليك إن شغلت عن صلاتك لترى صلاة السماء والأرض في هذا المرأى الرائع، وتبصر قيام العالم كله حول الكعبة؟

أليست هذه الصفوف مقدمة صفوف متلاحقة متواصلة من الكعبة إلى أقصى الجهات؟ هل يخلو ميل من الأرض في بلاد المسلمين من مصل منفرد أو جماعة وجهتها الكعبة، ولسانها القرآن، ونداؤها التكبير؟ فانظر إلى هذه الجماعة الكبرى تتلاحق صفوفها، واستمع إلى هذه الموسيقى تتوالى نغماتها وتمتد موجاتها من هذه الكعبة إلى بلاد نائية في أقطار الأرض، هنا مركز الدائرة، هنا قطب المغناطيس تتوجه إليه القلوب والوجوه، هنا أخوة المسلمين، هنا توحيد الله، وهنا ذكرى نبي التوحيد ... الله أكبر.

الأحد 10 رمضان/25 يونيو

الخلف بين القول والفعل

كم بين أقوال الناس وأفعالهم من خلاف! رحم الله الطغرائي يقول:

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت

مسافة الخلف بين القول والعمل

والناس في اختلاف الأقوال والأفعال ضربان: ضرب يحلي نفسه بما هي منه عطل، ويمدحها بما هي منه براء

ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا

كما في الآية الكريمة، وحسب هؤلاء قول القرآن:

يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون .

والضرب الثاني لا يصفون أنفسهم بما ليس فيها ولا يدعون ما ليس لهم، ولكنهم يدعون إلى الخير وليسوا أخيارا، ويحمدون الفضيلة وليسوا متحلين بها، فالخلاف بين أقوالهم وأفعالهم لا رياء فيه ولا نفاق ولا خداع، ولكنه الفرق بين ما يأملون وما يعملون. الفرق بين ما يدركه العقل والوجدان وما تجترحه الجوارح؛ طموح إلى الفضيلة وبصر بها وقدر لها وعجز عنها، وقصور دونها. وهؤلاء محمودون يرجى لهم أن تطابق أفعالهم يوما أقوالهم، حريون أن تجتمع فيهم الآمال والأعمال، محمودون بما دعوا إلى الخير على كل حال.

الإثنين 11 رمضان/26 يونيو

الضلال الكبير من الضلال الصغير

لو أن رجلا قصد إلى غاية فسار على طريقها، ثم مال يمنة أو يسرة فحاد عن الجادة أذرعا قليلة وتمادى في مسيره؛ لبعد عن الطريق آلاف الأذرع بعد قليل.

وإذا ذرع ذارع طريقا بذراع يزيد قيراطا أو ينقص، صارت زيادته أو نقصه آلاف القراريط ثم آلاف الأذرع على قدر طول الطريق. وهكذا الكيل والوزن والعد يؤدي فيها الغلط اليسير إلى الغلط الكبير.

والعالم الباحث إذا أخطأ في قاعدة من قواعده قليلا، عظم هذا الخطأ في مذهبه وتضاعف في أقواله كثيرا.

وأكثر المذاهب الضالة تحيد عن القصد بشبهة في المبدأ، فتصير فسادا عظيما في النهاية، كالذين توهموا أن أخوة البشر تقتضي إزالة أسباب التنافس بينهم فأباحوا الأموال والنساء؛ ونشأ من وهمهم في أخلاق الناس وسيرهم البوار، كما ينشأ النار من الشرار.

وفي كتاب «الكلستان» للشيخ سعدي أن بعض الملوك نهى الجند عن نهب شيء ولو بيضة قائلا: إن أساس الظلم كان ضئيلا فما زال الناس يبنون عليه حتى بلغ ما بلغ.

فليحذر المفكر والعامل الضلال اليسير ولا يحتقره، فهو كبير في معناه وهو عسير في منتهاه.

إن الكف تحجب الشمس، وقيل: إن هدبا انحنى على عين إنسان فخيل إليه أنه يرى الهلال في السماء، وادعى في الناس ما شاء.

الثلاثاء 12 رمضان/27 يونيو

في تكية محمد علي

ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء .

هذه الكلمة الطيبة تنبت في النفوس الخير، وتثمر البر والصلاح، فكيف بالعمل الصالح؟ إنه شجرة مباركة تمتد جذورها في الأرض فتخضر وتنضر وتزهر وتثمر، ثم يتفتق ثمرها عن النوى فيصيب الأرض فينبت ويترعرع، ويكبر ويزهر ويثمر، ويتفتق ثمره عن النوى دواليك ... نضرة وظل وثمر نافع لا ينقطع.

الشوارد · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ٢٨