الأحد 4 شعبان/21 مايو
من الحجاز إلى باكستان
استلمت اليوم برقيتين من أسرتي فيهما تهنئة بنقلي سفيرا إلى باكستان، قلت: هذه نقلة قريبة، فأنا حينما كنت في بلاد العرب والإسلام كأني في وطني وبين قومي، بلاد أعرفها وتعرفني، أعرف ماضيها وحاضرها، وأعرف لغاتها وآدابها، وأعرف كثيرا من أهلها، لم أتكلف هذه المعرفة ولا اصطنعت هذه المودة؛ ولكنها وحي الأخوة الإسلامية والتاريخ والآداب. حقائق لا تزوير فيها، ووشائج لا تكلف بها، وأواصر لم أخلقها ولا اصطنعها غيري.
ذهبت إلى دمشق وبغداد والقدس وبيروت وبلاد أخرى في الشام والعراق فما أحسست أني اغتربت، ولا تنكرت لي الوجوه، ولا أوحشتني الأرض ولا السماء ولا المجامع ولا الطرق.
وذهبت إلى استانبول وطهران ودهلي وبلاد أخرى في بلاد الترك والعجم والهند فما رأيتني غريبا، ولا انبهم علي الحاضر ولا الغائب ولا استعجم علي مكتوب على الآثار أو مخطوط في الصحف.
وأما جزيرة العرب، ولا سيما الحجاز، مهبط ديننا ومهد لغتنا ومنشأ قومنا، فماذا أقول فيها؟
فإن ذهبت إلى باكستان من الحجاز فإني أذهب بنفحات الحجاز إلى قوم تجمعني بهم هذه النفحات، إلى أمة تشاركني في الحجاز وما أخرج الحجاز للناس، إلى أمة يسرني سرورها وتسوءني مساءتها، أمة تفرح بذهابي إليها وأفرح بأن أعيش فيها.
الإثنين 5 شعبان/22 مايو
إغاثة اللاجئين
سافرت اليوم لجنة إغاثة المشردين من أهل فلسطين؛ وهم: أمريكي وإنجليزي وتركي، قدموا إلى جدة يوم الأحد 21 مايو 1951، وكانت لهم حفلات حدثناهم فيها فكان من قولهم: إن الناس يرتابون فينا، وليس لنا مقصد إلا إنقاذ اللاجئين مما هم فيه. وكان مما قيل لهم: إن العرب يرتابون فيكم؛ لأنهم تعودوا من هيئة الأمم التي بعثت بكم أن تعمل لتقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها، وحماية هذه الدول وتذليل الصعاب لها، وقد رأوا من آثار خطتها مئات الألوف من أهل فلسطين قد أخرجوا من ديارهم وحل بها مكانهم أوشاب من اليهود جمعوا من الآفاق. ورأوها غير راغبة في أن تطلب من اليهود تمكين هؤلاء البائسين من بلادهم؛ ولكن تريد أن ترضي العرب بما وقع، وتمكن هؤلاء المشردين حيث هم، إلى هذا تسعى هيئة الأمم ولهذا نرتاب فيها. ولو أن الأمر شفقة ورحمة وعدل ونصفة لأجبر اليهود إجبارا لا هوادة فيه على أن يدعوا أهل البلاد يقيمون بها كما أقاموا وأقام آباؤهم من قبل.
قال بعض أعضاء هذه اللجنة: إنا لا نعنى بالناحية السياسية، ونرى أن يبقى الخيار للاجئين في العودة إلى ديارهم، ولكنا كلفنا بتمكين اللاجئين من العمل وإنقاذهم من الفاقة والبطالة، فجئنا نتوسل بكل الوسائل ونسأل البلاد العربية أن تعيننا وتحسن الظن بنا حتى نبلغ ما نريد.
الثلاثاء 6 شعبان/23 مايو
سن الإنسان ما يحسه لا ما يعده
ربما ترى إنسانا في الأربعين أو دونها وقد ضعف جسمه وذبل وجهه وانحنت قامته وغلبه الهم وشاع في نفسه اليأس. وربما ترى رجلا بلغ السبعين أو جاوزها وهو صلب العود معتدل القوام ناضر الوجه طماح همام، يعمل عقله وتبطش جوارحه في غير فتور. فلا ريب أن الأول شيخ وإن عد من السنين أقل، وأهرم وإن احتج بقرب المولد، والثاني أقرب إلى الشباب وأدنى إلى الفناء، شاب وإن عد السبعين، وفتى بمظهره ومخبره على رغم السنين. ولله در أبي الطيب حين يقول:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه
ولو أن ما في الرأس منه حراب
لها ظفر إن كل ظفر أعده
وناب إذا لم يبق في الفم ناب
يغير مني الدهر ما شاء غيرها
وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب!
ولله در القائل:
يا هند هل لك في شيخ فتى أبدا
وقد يكون شباب غير فتيان؟
نعم، إن سنك الحق ما تحسه في جسمك ونفسك لا ما تعده من سني عمرك، وإن شهادة العمر أسارير وجهك، لا سطور ورقة ميلادك.
الأربعاء 7 شعبان/24 مايو