ولعل كثيرا من الناس يعجبون من هذا الرأي ويسخرون، ولكن التأمل والتروي يردانهم إلى الاعتراف بسداده وصوابه ويدعوانهم إلى الأخذ به والدعوة إليه والعمل له إن شاء الله.
الخميس 1 شعبان/18 مايو
الفراغ والعمل
أمضيت يومي معتكفا لوعكة ألمت بي، وقد قطعت الوقت بالقراءة بين حين وحين، ولكن أوحى إلي التفكير في العمل والفراغ كتابة هذه الكلمة: إن الإنسان يطول عليه وقت الفراغ فيمله، ولكن لا يذكره بعد مضيه، أو يذكر منه شيئا ضئيلا، وهو لا يشعر بمضي الوقت حين يشغله بالعمل، ولكنه يجد له بعد مضيه ذكرى طويلة. وتزيد الذكرى اتساعا إذا اختلف العمل واختلف المكان فتعددت الفكر والصور، فمن يمضي يوما متنقلا بين بلد وآخر يذكر يومه هذا أكثر مما يذكر يوما أمضاه يعمل في مكان واحد. كلما تشابه العمل ومضت الأيام على شاكلة واحدة قل شعور الإنسان بالزمن الماضي، وكلما تجدد العمل واختلفت صوره زاد شعور الإنسان به. ما أشبه الذي يعمل عملا واحدا مكررا بالحيوان الذي يدور بالساقية، يسير طويلا ويعمل كثيرا، ولكنه لا يخرج من هذه الدائرة الضيقة، ولا يشعر بأكثر منها. فإن لم يستطع الإنسان أن يغير عمله بين يوم وآخر فليجتهد أن يغير من صور العمل، ويجدد في أشكاله، ليخلص من هذا التشابه ويشعر بالوقت ويذكره.
العمر هو الوقت، والوقت هو العمل، فلينظر المرء كيف يمضي عمره فارغا أو ملآن، وطويلا أو قصيرا.
الجمعة 2 شعبان/19 مايو
فيضان ومطر
سمعنا في هذا الأسبوع عن طغيان الماء في أرجاء كثيرة من الأرض، مراكش والجزائر وسيناء وعمان ودمشق، وفي كندا والبرازيل، وهو جانب من اضطراب الجو وشذوذه في هذا العام، فقد هطلت أمطار غزيرة في الجزيرة العربية، وحدثني مسافر بين جدة والمدينة أن مطرا فيه برد أصابهم بين قريش والمدينة، كما نزل البرد في مصر هذا الشهر.
ولست أدري ماذا يقول علماء الطبيعة في هذا الفيضان وهذا المطر من الماء والبرد، ولكن لا يرتاب أحد في أنه شذوذ عما ألف الناس في مثل هذا الوقت من السنة في هذه البلاد.
ولا يعلم إلا الله أهذا الشذوذ بدء سنة جديدة في الطبيعة تخالف بها سننها المعروفة قبلا أم هو بدء اضطراب لا سنة فيه؟ ولا يعلم إلا الخالق ماذا يصيب العالم أرضه وسماءه بعد. وقد تحدث ناس من العلماء عن نقص حر الشمس على مر السنين، وذكروا ما يصيب العالم ولا سيما أرضنا إن اطرد النقص. وفي القرآن الكريم
إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت ... إلخ.
ورحم الله المعري يقول:
يجوز أن تطفأ الشمس التي وقدت
من قبل عاد وأذكى نارها الملك
فإن خبت في طوال الدهر وقدتها
فلا محالة في أن ينقض الفلك
السبت 3 شعبان/20 مايو
بغداد تخاف الغرق
طغت دجلة وفاضت فأغرقت جانبا من بغداد وهددت المدينة كلها، وليست هذه أول مرة تفاجئ فيها دجلة بغداد بفيضان مخيف، إن دجلة التي سميت المجنونة، لفيضانها الفجائي، قد نالت من دار العباسيين في عصور طويلة وأجيال متعاقبة؛ حتى قيل: إن آثار العباسيين ذهب بها طغيان دجلة، فلا ترى اليوم في دار السلام أثرا قائما لخلفاء بني العباس إلا جدرا من المدرسة المستنصرية التي شادها الخليفة المستنصر بالله.
وقد أمد العلم والصناعة الإنسان بما سخر له الجبال والأنهار والصحارى والبحار، فينبغي ألا تترك بغداد عرضة للغرق كلما جنت دجلة جنونها. ينبغي أن تخط خطة لوقاية دار السلام من الماء بوسيلة من وسائل العلم والصناعة التي لا يعجزها اليوم شيء.
إن عزيزا علينا أن يقال كل حين: إن دجلة تحيفت بغداد وأغارت على أطرافها وأغرقت آلاف الدور فيها، وإن المدينة كلها في وجل. فلنأخذ للأمر أهبته ولنحط المدينة العظيمة بما يقيها الغرق والنزز ويوقيها الخوف، فما أجدر بغداد العظيمة أن تبقى آمنة، وما أحرى دار السلام بالسلام! وقى الله بغداد كل سوء، ويسر لأهلها كل خير.