تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على قدر القرب تحاسبون

كلما صليت في المسجد الحرام فرأيت التفاف المصلين حول الكعبة، تذكرت أن المصلي هناك عليه أن يتوجه إلى الكعبة لا يحيد عنها يمنة أو يسرة ولا يقبل منه إلا إصابة عينها، لا يجزئه إصابة جهتها، وأن المصلي في المواضع الأخرى يقبل منه أن يتوجه جهتها، ولا يكلف أن يكون وجهه إلى بنائها بل يسامح في الانحراف والارتفاع والانخفاض، فجال في نفسي هذا المعنى: إن الحساب على قدر القرب، فالإنسان يكلف بحاجات الإنسان على قدر قربه، وكلما قربت القرابة زاد التكليف، وعظمت الحرمات، وكثرت التبعات. وكذلك الإنسان مع ربه كلما زاد قربه إلى الله تعالى بإدراك عقله ما أحاط به من قوانين الله وآياته، وبشعور وجدانه بالله واستنارته به، كلما أدرك الإنسان صلات القرب هذه واخترق بعقله وقلبه الحجب، كثرت عليه التكاليف، وعظمت التبعات، وطولب بما لم يطالب به الجاهل الغر والمفرط الغافل.

وهكذا تعظم التبعات على قدر رقي الإنسان في درجات الكمال حتى يصدق ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وهكذا تختلف الواجبات على اختلاف الدرجات، فعلى العالم أمور لا تجب على الجاهل، وعلى الحاكم تكاليف لا تجب على الرعية، وعلى القادة تبعات ليست على التبع ... وهلم جرا. فقياس كمال الإنسان ما يؤخذ به من أوامر ونواه استجابة لما يدرك عقله ويشعر به قلبه، فليحاسب كل امرئ نفسه على قدر ما آتاه الله من قدرة في الجسم والعقل والعلم والإدراك والشعور.

يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير .

الخميس 8 شعبان/25 مايو

على الله

كنت اليوم في فندق مصر الذي بمكة المكرمة في مجلس جمع بعض الإخوان، فدخل رجل ووقف بعيدا منا وأشار إشارة عرفتنا أنه سائل، ودعا أحدنا ابنا له أن أعطه شيئا، فأعطاه شيئا فرآه السائل قليلا فرده، فعجبنا وضحكنا، فأخذه الرجل ناحية وأعطاه ما أرضاه فأشار إشارة التسليم وخرج.

قال أحد حاضري المجلس: جلست على مقهى في أطراف مكة خارج باب جدة، فجاءني سائل فقلت: على الله! فانفتل مسرعا لم ينطق بكلمة ولم يشر إشارة، فعجبت من أمره وأسفت أن لم أعطه، فأرسلت خادمي بريال، فقال الرجل: لا لا، قلتم على الله فلا آخذ شيئا، قال فرددت الخادم بريالين فلم يقبل، وقال: قلتم على الله فلن أقبل شيئا، قال: ورددت الخادم المرة الثالثة فألح عليه ليأخذ، فقال للخادم: والله لئن أعطاني عمك (سيدك) ألف ريال وهذه السيارة التي معه لا أقبل شيئا. قال المحدث: لقد تمنيت حينئذ أن يقبل مني ألفي ريال.

قلت: رجل سمع اسم الله فذكره فعز به فاستغنى فاستكبر وأبى أن يستعين بغيره، وحقر المال وأصحابه والغنى وطلابه؛ بل رأى نفسه بالله أغنى من كل غني وأكبر من كل كبير.

وقلت: سبحان الله لقد تحول الرجل في لمحة من ذل الاستجداء إلى عز الاستغناء، سأل فازدري وحرم، فعف فاستغنى، فلحقه المال يلح عليه فيرده، ويتضرع إليه فلا يسمع له. رفضه المال قبل لمحات وهو الآن يرفضه، وأذله منذ لحظات وهو الآن يذله. كان منذ لحظات سائلا ينهر فصار مسئولا ينهر، كان ذليلا فعز، وحقيرا فعظم، كان طالبا فطلب وسائلا فسئل، لقد اعتز بالله واستغنى به.

جاء في الأثر: استغن عمن شئت تكن نظيره.

الجمعة 9 شعبان/26 مايو

يقظة البدوي

البدوي لا تحد نظره ولا سائر حواسه حدود الأبنية وسدود الحضارة، فهو ينظر إلى الآفاق البعيدة، ويرى السماء ليلا ونهارا، وهو يعيش في حماية نفسه يخاف العدو واللص والوحش، ويحترز من ضلال الطريق والهلاك جوعا أو ظمأ، فهو منتبه الحواس حاد الفراسة كثير الارتياب.

كنت في سفر بالحجاز، ومعنا دليل بدوي، فرأينا ثلاثة بعران فقال: هذه ضالة، وسرنا ونسيناها حتى لقينا رجلا على الطريق فوقف الدليل السيارة وسأل: أتلك بعرانك؟ قال: نعم. ثم رأينا صقرا محلقا فقال: هذا صقر أفلت من الأمير، قلنا: كيف عرفت؟ قال أراه يقرب ولا يفزع من السيارات. وكنا نسير بموضع كثير الأشجار فأشار إلى سرحة قائلا: هذه تسمى السرحة الغزلانية؛ لأن الغزلان تأوي إليها، فعجبنا كيف ميز سرحة من بين سرح كثير وشجر متشابه.

الشوارد · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٦