بهذا يفسر إخبار الملهمين بالمستقبل، وتحديثهم عن الغيب.
وبدا لي أنه إن جاز أن ينقل هذا الدليل إلى علم الكلام، جاز أن نقول: إن الحادثات المقبلة واقعة قبل وقوعها، فالله تعالى عالم بها، وعلمه إياها قبل أن تقع لا يصلح حجة على أنه قدرها واضطر الإنسان إليها، بل علم أن هذا الواقع المعين سيقع، وربما يقع اختيارا من الإنسان واضطرارا، قصدا أو اتفاقا، فهو لم يعينه ويحتمه ويدفع الإنسان إليه، ولكن علم أنه واقع بسبب أو باتفاق كما يوقن الإنسان أحيانا أن أمرا واقع غدا أو بعد غد. وليس علمه هذا موجبا وقوعه، بل وقوعه أوجب هذا العلم.
وأشفقت من إطالة الكلام في علم الكلام، فأمسكت القلم وقلت: الله أعلم.
السبت 22 جمادى الثانية/31 مارس
كذبة أبريل
اعتاد الأوروبيون - لسبب لديهم - أن يمزحوا بالكذب أول يوم من شهر نيسان (أبريل) وقد افتنوا في هذا الكذب، وابتكروا فيه المضحك المعجب.
وجرى ناس منا على محاكاة الأوروبيين في هذا كما حاكوهم في غيره. وليت كل ما أخذنا من مساوئ أوروبا كان هينا كهذه الفكاهة! وللناس مباحات يفرحون بها ولا حرج عليهم ما عرفوا الحدود بين المباح والمحظور، والفواصل بين الهزل والجد. ولكن ناسا جاوزوا في هذا المزاح الحد، وجعلوه شرا من سيئ الجد. منهم من كثف شعوره، وغلظ إحساسه فلم يعرف مواضع الجد والهزل، وحدود المباح والمحرم. ومنهم من يتعمد الإيذاء ويقصد إلى الإساءة؛ ليداوي غيظا، ويشفي غلة، فيجد فيما اعتاد الناس في أول أبريل، سترا لمقصده، وتعلة لإساءته؛ فينتهز الفرصة عدوا كصديق، وجادا كمازح.
حدثت وأنا في الحجاز أن رجلا قال لآخر في مدينة جدة: إن أخاك فلانا مات، وكان للرجل أخ في أمريكا عزيز عليه، فخر الرجل صريعا، ينوح ويصيح. فقال المخبر الكاذب: لا تصدق، فاليوم أول أبريل.
ولو أن الرجل ضرب من أخبره أو قتله لم يكن بعيدا من مساوئ هذه العادة القبيحة، ولم يكن معتديا على هذا المازح الفظ.
الأحد 23 جمادى الثانية/أول نيسان (أبريل)
اختلاف الأحرار خير من اتفاق العبيد
كتبت مرات أني أرى الخير في هذه الحياة وفاقا أو وسيلة إلى وفاق، والشر شقاقا أو وسيلة إلى شقاق، وهذه دعوة لها بيناتها في الأنفس والآفاق، وتضيق هذه الكلمة عن بيانها. ثم بدا لي أنه ليس كل اختلاف شقاقا، وليس كل اجتماع وفاقا، فاختلاف الأخيار في آرائهم ومذهبهم، وهم مجتمعون على طلب الحق ونصرة العدل، وعلى أن لكل منهم الحق في النظر والاستدلال واعتقاد ما يؤدي إليه نظره، ويجلبه استدلاله، والعمل بما يرى أنه السداد، هذا الاختلاف وفاق لا شقاق فيه، واجتماع لا تنافر معه.
واجتماع من لا حرية لهم ولا كرامة، ولا رأي لهم ولا اختيار، على قول أو فعل، ليس اتفاقا، ولكنه موت يجمهم على السكون، وذلة تؤلف بينهم على الخضوع. إنما الوفاق وفاق أنفس حية مفكرة مخيرة، تتفق وهي قادرة على أن تختلف، وتختلف وفي مكنتها أن تأتلف.
فاختلاف المجتهدين وفاق في الحقيقة، وهو - كما قيل - رحمة لا عذاب. واتفاق المقلدين لا يقام له وزن، ولا يؤبه له؛ بما كان اتفاقا على غير رأي، وإجماعا دون دليل، واجتماعا بغير اختيار.
وقد طردت القول في هذا المجال وضربت الأمثال حتى قلت الكلمة التي جعلتها عنوان هذا المقال: اختلاف الأحرار خير من اتفاق العبيد.
الإثنين 24 جمادى الثانية/2 نيسان (أبريل)
الوعاظ وحياة الإنسان
دأب الواعظون على أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويتخذوا وسائل شتى؛ ليبلغ الوعظ من النفوس قرارتها فيدعوها إلى الخير ويصدوها عن الشر.
ومن أساليبهم في الوعظ أن ينفروا الإنسان من الحياة، مفتنين في الإبانة عن قصرها وقلتها، ومصائبها وآفاتها، وكدرها ودنسها وأنها سراب في سراب، أو جيفة طلابها الكلاب ... وهلم جرا.