تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد
فأعدى وما أعدتني الثؤباء
والتثاؤب يعدي، وقد ضرب بعدواه المثل فقيل: أعدى من الثؤباء. وهو من التراخي والكسل، وقد كرهه المسلمون، ونهوا عنه في الصلاة، وما أجدر التثاؤب وما إليه من دواعي الكسل وأماراته أن يعدي، كما يعدي المرض.
إن عدوى المعالي قليلة، أن كانت تكاليفها ثقيلة، أن كانت مسيرا شاقا، ومصعدا مرهقا، وزجر النفس عما ترغب، وكبحها عما إليه تذهب، وحملها على مكروهها، وهمزها إلى مخوفها.
وإن عدوى الدنايا كثيرة، أن كانت إسامة النفس في مراتعها، وتسييبها في مرابعها، وأن يملى لها في الرغبات، ويمد لها في الملذات، وتترك للدعة، ويخلى بينها وبين الراحة. وأن كانت انحدارا لا صعودا، واستفالا لا اعتلاء.
إن النفس تميل إلى الإسفاف، وتخلد إلى الراحة، وتهوى الهين من كل أمر. ولكن في النفس، على هذا، نزوعا إلى العلاء، وشغفا بالارتقاء، وحنينا إلى المكارم، وشوقا إلى العظائم. إن فيها لجمرة يغطيها الرماد، وشرارة يقدحها الزناد، فإن وجدت نافخا في جمرها، وقادحا لشرارها، استيقظت وتحفزت، وعملت وصعدت. وكلما ذاقت لذة العمل والرقي زادت حبا له، وهياما به.
وإن تركت في غفوتها، ووكلت إلى غفلتها، ولم يشعل جمرها، ولم تقدح نارها، وإن دعيت إلى الهوى، وزين لها الإخلاد إلى الأرض بالكلمة الداعرة، والأنشودة الفاجرة، والفعل الذميم، والخلق الرجيم؛ بلغت قرارة الهاوية.
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين .
الخميس 20 جمادى الثانية/29 مارس
تاريخنا لا يخص الملوك والدول
سمعت مرات من بعض النابهين من علمائنا، وكثير من هؤلاء ليسوا من ذوي التحقيق، ولا يكلفون أنفسهم التدقيق، وهم يخدعون أنفسهم فيصدقون ما يتوهمون، كما يصدقهم الناس فيما يقولون ويكتبون. سمعتهم يقولون: إن تاريخنا - تاريخ الإسلام - ليس فيه إلا سير الملوك ووقائعهم، وإنه ليس للأمم نصيب فيه، أو نصيبها فيه قليل.
فكرت في هذه الدعوى فوجدتها بمنأى عن الحق، ووجدت أقدم مؤرخينا محمد بن جرير الطبري يسم كتابه «تاريخ الأمم والملوك»، ووجدت كتابه وكثيرا من كتب تاريخنا تسجل الحادثات في أيامها، وترتبها على أوقاتها، تسجل ما يتصل بالملوك وما يتصل بالسوقة، تكتب ما يقع في مجالس الملوك، وما يقع في الأسواق بين العامة، وما يكون من غلاء ورخاء، وما يقع من قحط ووباء، وهكذا لا تدع حدثا كبيرا إلا سجلته، ولا خبرا عجيبا إلا أثبتته، فهي صورة لمعايش الناس على اختلاف الحالات، وتباين الصفات.
ثم كتب الطبقات والتراجم، وهي سجل حضارتنا، ومرآة تاريخنا ، لا تخص الملوك بل حظهم منها قليل أي قليل. كتب الطبقات تسجل سير جماعة من العلماء يجمعهم مذهب أو صناعة كالمحدثين والفقهاء والأطباء والأدباء والحكماء، فأين الملوك في هؤلاء؟ وكتب التراجم ك «وفيات الأعيان» تذكر الملوك وغيرهم، وما أقل الأولين في جنب الآخرين.
وتواريخ البلاد ك «تاريخ بغداد» للخطيب، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر، و«تاريخ مصر والقاهرة» للسيوطي، تذكر كل من عاش في البلد أو طرأ عليه من العلماء والأدباء على اختلاف أصنافهم، وتباين طبقاتهم، وليس للملوك والأمراء فيها نصيب.
وقل في كتب الأدب والمحاضرة التي تثبت كل نادرة، وتذكر الخاصة والعامة، والملوك والسوقة.
فكيف ادعى إخواننا هذه الدعوى، وكيف غفلوا عن هذه الحقائق.
الجمعة 21 جمادى الثانية/30 مارس
علم الغيب
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ... الآية.
لست من المولعين بعلم الكلام، ولا من الرامين في الغيب بسهام، ومذهبي الإيمان والأمل، والعزم والعمل، والسير إلى المدى السحيق، دون تعريج على بنيات الطريق. وخطر لي اليوم خاطر فأثبته: بدا لي أن المستقبل معين، وخطر لي في الاستدلال أن زيدا في ساعة يعينها من المستقبل، يكون على حالة واحدة من حالات محتملة، فإذا جاءت الساعة تبينت هذه الحال. فقد تبين أن هذه الحال قبل حلول هذه الساعة كانت واقعة، وبرهان هذا أنها وقعت، وما وقع كان لا محالة واقعا.