تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإثنين 17 جمادى الثانية/26 مارس

بين البر والبحر

خطرت خاطرات شتى، وأنا أسير على الشاطئ أداول النظر بين البر والبحر، أرى البحر الزاخر، والبر الصامت، والماء المائج، والرمل الساكن، واللج المخيف، والساحل الأليف.

وجال الفكر فيما تحت الأمواج، من أغوار ونجاد، ونبات وحيوان، ووحوش وحيتان، وما لا يدركه الخيال من أحياء الماء وعجائبها، ومعروفها ومجهولها. وجال الفكر في حيوان البر؛ ناسه وبهائمه، وآنسه ووحشيه. قلت: في البحر الخليقة المائجة المجهولة الرهيبة، وفي البر الخليقة الساكنة التي ذللها الإنسان، وبلغ منها كل مكان. كلا كلا! قد ذلل الإنسان البحار، ركب أثباجها وقهر أمواجها، واستخرج حبها ومواتها، وغاص في أغوارها وأعماقها، ما أعجب هذا الإنسان وما أقدره، وما أعظمه!

وذكرت حينئذ قصيدة فكتور هوكو «ما يسمع على الجبل»

11

التي يقول فيها عن الصوتين اللذين سمعهما من البحر والبر: «أحدهما يأتي من البحر غناء المجد، ونشيد السعادة؛ ذلك صوت الأمواج التي تتناجى. والآخر يأتي من الأرض التي نعيش عليها، صوت حزين، هو همهمة الإنسان في هذه الموسيقى العازفة ليل نهار، لكل لجة زخيرها، ولكل إنسان ضوضاؤه.»

قلت: إن يكن صوت الإنسان على الأرض حزينا، فليسعد بهذا النشيد الطروب المنبعث من البحر، من هذه الخليقة غير المحدودة. ليجهد الإنسان أن يجد نفسه كلما أسنت، ويصلحها كلما فسدت، بالاستماع إلى أناشيد الخليقة، واستلهام عظمتها وسعتها وحريتها، وجلالها وجمالها وطربها وفرحها.

إن الإنسان في حضارته، بين جدره وسقوفه، وحدوده وقيوده، واحترابه واضطغانه، وفي حكم القوانين الجائرة، والنظم الفاسدة، لفي حاجة إلى أن يرجع إلى الطبيعة كل حين، يأخذ منها لجسمه وعقله وقلبه، ويستمد منها العافية والصحة والغبطة ونضارة الأمل، وحرقة العمل.

أيها البحر: إن في لجك الزاخر، وموجك الشاعر، واضطرابك الدائب، وقلقك الصاخب، لآيات الحياة، وأمارات القوة والإقدام. فليرجع الإنسان إليك كلما رانت على قلبه، وغامت على عقله علل الحضارة ومفاسدها.

الثلاثاء 18 جمادى الثانية/27 مارس

أسد في قفص

رأيت أسدا في حديقة حيوان، قائما متبرما، أو هاجعا مستسلما، ينظر ويغضي ويمشي ما وسع محبسه ويقف. والنظارة على مقربة منه لا توجل، وتسير إليه لا تفرق، وفي حديث عنه بين العجب والسخرية.

ليس هذا غضنفرا، ولا أحسبه هزبرا، ولا هو الليث ولا أسامة، ولا الرئبال ولا الضرغامة.

هذه صورة أسد في محبس، تردد فيها حركة ونفس. إن الأسد قوة تصول، وهيبة تهول ومتن مجدول، ولبدة كأنها غيل، وعينان تبصان في الظلام، وترميان من الشرر بسهام، وعدو ووثوب، لا ينالهما فتور ولا لغوب، وزئير في الأرجاء، يزلزل أجواز الفضاء، ورعب يجول ويصول، وإقدام لا يحجم ولا يحول، وإنه قهر الآفاق، وفرس الأعناق.

إنما الأسد أبو الأشبال، طليقا بين السهول والأغيال، متوثبا للفرس والصيال. هناك حقيقته، وهنا صورته، هناك عزته وهنا ذلته، هناك حياته وهنا موته.

إن كل معنى في الأسد قد امحى في الإسار، وكل حرف فيه قد حرف في المحبس، فليس هذا أسدا ولكنه مسخ، وليست هذه حقيقة الأسد ولكنها نسخ.

كذلكم كل من يحول عن حقائقه، ويزول عن خلائقه، يستوي في هذا الإنسان والحيوان.

الإنسان الذي لا يسمو إلى مكارم الإنسانية ومآثرها، ولا يدين بأخلاقها وعواطفها، ليس إنسانا، وإن حمل صورة إنسان. والذي لا يصلح ولا يعدل، ولا يرحم ولا يشفق، ولا يعين على الخير ولا يعاون على البر، يهبط من مستوى الإنسانية إلى درك البهمية أو إلى مستوى دونه. وفي القرآن الكريم:

أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون .

الأربعاء 19 جمادى الثانية/28 مارس

تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد

يقول أبو العلاء المعري في أول قصيدة من اللزوميات:

الشوارد · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٣٨