على المؤرخ أن يحذر مواضع الذلل فيما يؤثر من هذا التنافس. وعلى أهل كل عصر أن يتجنبوا التعادي في التنافس، ويذكروا القرابة التي أدت إليه قبل أن يروا المنافرة التي تنشأ منه، وعليهم أن يجعلوه تنافسا في الخير، ويغلبوا جانب الفكاهة فيما يؤثر في هذا التنافس من تفاخر أو مهاجاة، فهما كذلك حين ينعم النظر، ويحد البصر.
السبت 15 جمادى الثانية/24 مارس
بلبل وغربان
رأيت اليوم طويرا، حسبته بلبلا، يحسو من ماء في الحديقة. حسا حسوات وطار فرأيت في جناحيه ريشات بيضاء، ووقع على سلك للكهرباء، ومسح منقاره بالسلك سريعا وصفر قليلا فصمت، ولبثت أرقبه آملا أن يعود إلى صفيره.
وجاء غراب فوقع على السلك قريبا منه وتلاه غراب فغراب، فنفر الطوير إلى شجرة قريبة فاختفى ولم أسمع له ركزا. ولم يفارق أذني نعيب الغربان، وما أكثرها هنا! وقلما يصمت نعيبها، وإني لأسمعها وأنا أخط هذه الكلمات.
قلت: سبحان الله، بلبل واحد وأغربة كثيرة، وتغريد لمحة ونعيب متواصل، وذكرت قول المعري: إن الخير قليل والشر كثير، والشوك ينبت وحده، ولا ينبت الشجر المثمر والزرع المغل إلا بمعاناة.
ثم قلت: هذا قول يسوغ في الشعر للتمثيل ولا يقبله عقل مفكر، نحن نقول: إن الشوك شر، والثمر خير، ونحن نتشاءم بالغراب، ونطرب للبلبل، ونستقل ما نحتاج إليه ونستكثر ما لا نرغب فيه، هذا زعمنا ووهمنا لا خلق الله.
ثم خطر لي أننا إذا تركنا التشاؤم والتفاؤل والرغبة والنفور حينا وتأملنا، وجدنا الجيد أقل من الرديء، ووجدنا العقلاء أقل من الحمقى، والعلماء أقل من الجهلاء، والفاره في كل حيوان أقل من غيره، وأن الكمال في العالم لا يكون إلا قليلا. ومضيت في التفكير فقلت: حق أن الغربان أكثر من العنادل، وعظماء الرجل آحاد، والكثرة في السواد، وقديما قيل:
بغاث الطير أكثرها فراخا
وأم الصقر مقلات نزور
وقلت: إن الكمال في جنس أو نوع أو واحد أطول مقدمات، وأصعب شروطا في الطبيعة أو الصنعة، فليس عجيبا أن يقل الكامل ويندر الفائق. وذكرت قول الشاعر الصوفي سنائي: إن قرونا تمضي ليصير حجر جوهرا، ويظفر العالم بإنسان عظيم. وقلت: هذا حق، ولعل كثرة الأغربة، وقلة العنادل على هذا القياس.
وبدا لي كذلك أن الندرة من أسباب التقويم، والكثرة تؤدي إلى الرخص، فينبغي أن يعتبر هذا أيضا في هذه القضية التي نفكر فيها.
الأحد 16 جمادى الثانية/25 مارس
معان خفية
يقول محمد إقبال:
دل ياران زنواهاي پريشانم سوخت
من ازان نغمة طپبدم كه سرودن نثوان
نغماتي الضعاف أحرقن صحبي
حرقتي نغمة أبت أن تحاكا
ويقول سنائي:
باز كشتم زانكه كفتم زانكه نيست
ذر سخن معنى ودر معنى سخن
رجعت عما قلت إذ لم أجد في اللفظ معنى، ولا للمعنى لفظا.
وكذلك يقول شعراء آخرون، وصوفية وحكماء، معربين عن عجز العبارة أحيانا عن الإبانة عما في الضمير كاملا، وقصور الألفاظ عن تصوير ما في النفس بينا. ولعل الألفاظ قاصرة كل حين عن الدلالة على ما يشعر به المتكلم؛ إن لم يكن السامع في مثل حاله، إن لم يكن يشعر شعوره بغير دلالة الألفاظ. إن الإحساس يختلف والحال واحدة فكيف إحساس المريض والصحيح، والشجي والخلي، والمحتاج والغني؟ كما قال أبو الطيب:
لا تعذل المشتاق في أشواقه
حتى يكون حشاك في أحشائه
ولكن نتجاوز هذه الدقائق في اختلاف الدلالة، على الشعور المعتاد، والإحساس المألوف، ونتأمل في شكوى كبار الشعراء والصوفية من عجزهم عن الإبانة، واستعصاء المعاني التي يشعرون بها على الألفاظ المتداولة، المعاني النابعة من القلب، والمتنزلة من عالم الغيب.
إن نبعا خفيا في النفوس الصافية ولحنا خفيا في القلوب الشاعرة، وشعاعا خافقا في أعماق الضمائر، يلهمه الإنسان من منبع الإلهام، فيحاول الإبانة عنه فعجزه، ولا سبيل إلى نقله إلى النفوس الأخرى إلا بأن يثير فيها هذا الإلهام حتى تشعر هذا الشعور الذي قصرت عن بيانه الألفاظ. إن ما نعلمه بالألفاظ ضئيل في جانب ما نلهمه ويوحى إلينا، وتمدنا به الفطرة، ويفيض به الوجدان، وإن هذا كذلك مما يعجز عنه البيان.