تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وينبغي أن يتعاون الأطباء وعلماء النفس، على تتبع العلل كلها الجسمانية والنفسية، الظاهر منها والباطن، والتماس الدواء لها، والجد في إبرائها.

وعسى أن يكون اهتمام الحكومات والأمم باستقصاء العلل عامة، والعلل المتصلة بالإجرام خاصة، أجدى من كثير من الوسائل التي يتوسل بها إلى منع الجرائم. وإن توسعنا في معنى العلة، فانتقلنا إلى علل الجماعة، العلل التي تنشأ من الجور؛ جور الحكومات أو جور القوانين أو جور العادات أو جور الآحاد، إن نظرنا إلى هذه العلل فهي منبت الجرائم، ومصدر الآفات، وهي ليست بعيدة من العلل الأولى؛ علل الجسم وعلل النفس التي تصيب الوحدان من الأمة.

إن بعض أحوال الجماعة تؤدي إلى ارتكاب الجرائم، واستحلال المآثم لا محالة، وضائع في هذه الأحوال جهد الشرطة والقضاة والمشرعين. فليعرف القوام على الأمم عللها ويلتمسوا أدويتها ليبرئوها من أدوائها التي تتمثل في ضروب من المفاسد وشكول من الجرائم.

الخميس 13 جمادى الثانية/22 مارس

كلب الشرطة

في الحيوان الأعجم غرائز وقوى خفية يدرك بها ما لا يدرك الإنسان، بل ما لا يصدقه الناس لبعده عن قدرتهم، وغرابته عن الفهم، كالحمام الذي يؤخذ من داره في قفص، ويسافر به مسافة شاسعة، وهو محجوب لا يرى الطريق، فإذا أطلق عاد إلى داره على بعد الشقة لا يضل ولا يكل.

وكالنحلة تخرج من خليتها، وللخلية نظائر ومشابه، وتنطلق أميالا كثيرة ثم تعود إلى دارها من مدينة آهلة وإلى خليتها من خلايا كثيرة. وقد قيل: إن بين كل نحلة وخليتها موجة من الكهرباء متميزة تصل النحلة ببيتها وتهديها إليه حيثما طارت وأينما سقطت.

وكذلك ضروب من الحيوان يحار الإنسان في خلائقها، ويتعجب من غرائزها. وهذا كلب الشرطة فيه من رهافة الحس، وحدة الشم وقوة الإدراك ما تسمع منها وتقرأ العجب العاجب. ولولا أنه أمر مشهور، يراه كثير من الناس، ويستطيع أن يشهده كل إنسان، ما صدقه السامع، ولا قبله الناقد.

يؤتى بجمع من المتهمين بجريمة، ويؤتى بأثر خلفه المجرم حين اجترح سيئته، ويشم الكلب هذا الأثر، وقد بعد من صاحبه، وطال بعده عنه، ثم يعرض عليه أهل الريبة فيمر بهم يشمهم واحدا بعد واحد وقد تقاربت أجسامهم، واختلطت روائحهم وتشابهت، فيميز صاحب الأثر الذي شمه ويخرجه من بين أشباهه، ويكرر هذا ويصر عليه إصرارا يلجئ الجاني إلى الاعتراف.

ولو شم هذا الأثر وصاحبه ألف إنسان ما اهتدى واحد بالريح إلى صلة الأثر بصاحبه. ومعنى هذا أن لكل واحد منا ريحا تفعم الجو ولكن لا نشمها، وقل مثل هذا في حدة البصر والسمع في بعض البهائم، وقل في اهتداء الطير والبهائم إلى مواطنها بالإلهام، تعلم أن وراء حواسنا حواس، وفوق إلهامنا إلهاما، وأن أمر العالم ليس في حدود حسنا، وقيود عقولنا، وأحكام أوهامنا.

الجمعة 14 جمادى الثانية/23 مارس

القرابة والتنافس

القرابة داعية التناظر، والتناظر داعية التنافس. القرابة في النسب أو الدار أو البلد تؤدي إلى أن ينظر كل إنسان إلى نفسه وإلى من يقاربه فيكون التناظر بينهما، فالتنافس والتفاخر.

تجد هذا بين أبناء العم في الأسرة، وبين الأسر في القرية، وبين القريتين المتجاورتين، وبين الولايتين في دولة واحدة ... وهكذا.

وكذلك كان بين العرب والعجم لما جمعهما من جوار ومشاركة في أخوة الإسلام وحضارته. وكذلك نجده بين قبيلتين من العرب، وبين مدينتين من العجم حتى يومنا هذا.

كذلك نرى التنافس والتفاخر وشيئا من التهاجي بين أهل صعيد مصر وأهل مصر السفلى، وبين أهل حمص وحماة في بلاد الشام، وبين الإنجليز والأسكوت في جزيرة برطانية.

هذا التنافس والتفاخر والتهاجي ينبغي ألا يخلط بالتباغض والتعادي، وينبغي ألا يؤول به. ينبغي الحذر من أن ينقلب التنافس الذي تبعثه القرابة عداوة وبغضاء، كما ينبغي الاحتراس من أن يفسر بالعداوة ما أثر من تنافس وتفاخر ومهاجاة بين قبيلتين من أمة أو أمتين متجاورتين أو متشاركتين في جامعة من الدين مثلا، وإن أدى هذا التناظر والتنافس إلى العداوة والحرب أحيانا.

الشوارد · الصفحة ١٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٣٦