صدق الله العظيم
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق .
الإثنين 10 جمادى الثانية/19 مارس
حرمة العلم والمعلم
العلم في الإسلام عبادة، مدارسه مساجد ومعلموه أئمة. اقترنت حرمة العلم بحرمة الدين، وقداسة المدرسة بقداسة المسجد، ومكانة المعلم بمكانة الإمام.
كنا نسمع في طفولتنا صبية الكتاتيب ينشدون: سيدنا غفر الله له، أبواب الجنة مفتوحة له. ويدعون للوالدين والمعلم، حتى «العصاية التي ضربتني، والفلقة التي مدتني.»
في ديننا وسننا تعظيم العلم والمعلم، وتوكيد الحرمة بين التلميذ والأستاذ، وتوثيق المودة بينهما. كان التلميذ يصحب معلمه ويجلس في داره وفي مسجده يأخذ عنه علمه وطريقته وأدبه وخلقه؛ فإذا الأستاذ ممثل في تلميذه، والإمام مصور في المؤتمين به. فإن نبغ في الأمة أستاذ في فن خرج تلاميذ قليلين نابغين في فنه، هم أجدى على الأمة من أعداد ليس فيها نابغ، وإبل مائة لا تجد فيها راحلة.
10
واليوم لا تجد بين أستاذ وتلميذه صلة روح، وآصرة محبة، وحرمة تعليم، إن هي إلا أبنية وحجرات، ودروس مرتبة على أوقات، ثم الامتحان والشهادة كما جرت العادة، وتنقطع الصلة، وتنسى الصحبة. وقل أن يذكر تلميذ أستاذه، أو يعرف أستاذ تلميذه وإن كان ذكر أو معرفة فقل أن تصحبها مودة أو تقترن بها محبة، أو يدوم بها تعاون على المعرفة، وتناصر على الحق. ونحن في فرح بالأبنية المشيدة، والجموع المعددة وفي غفلة عن الحرمة المفقودة، والمودة المفتقدة والروح والقلب وما فيها من صلة وحب، وعن تنشئة الأخلاق القويمة والآداب الكريمة.
الثلاثاء 11 جمادى الثانية/20 مارس
صيد السمك
مررت في مسيري عشية اليوم على ساحل البحر بصيادين يخرجون من شباكهم سمكا، فرحين نشطين، فقلت: فرح الصيادين من ترح السمك. وفتحت أبواب في هذه المعنى، وفكرت فيما أفكر فيه كثيرا من قتل الناس الحيوان في البر والبحر والهواء، وافتنانهم في صيده وقتله والاغتذاء به. وطاولني هذا الفكر حتى رأيت سربا من الطير على الشاطئ رآني فطار فأسف على وجه الماء، قلت لصاحبي: إنها تلتمس سمكا تخطفه فما أحسب هذه الطير تغتذي إلا بحيوان البحر. وقلت: إن الإنسان الذي يصيد السمك لا يزيد على ما تفعله هذه الطير وغيرها من السباع والجوارح، فخطر لي أن هذه الطير والسباع لا بد لها من أكل الحيوان؛ إذ كانت لا تأكل النبات، وللإنسان مندوحة عن أكل الحيوان بأكل الحب والثمر وسائر ما أنبتت الأرض، فعاد فكري يقول: إن كان في الخلقة سباع وجوارح تعيش على لحم الأحياء فليس الإنسان متعديا حدود الله، وحائدا عن سنته إن اصطاد الحيوان واغتذى به.
وبدا لي أن العالم بجملته آكل ومأكول، وذكرت فصلا من «المثنوي» ترجمته ونشرته في كتابي «فصول من المثنوي» بين فيه جلال الدين أكل الحيوان الحيوان، بل أكل النبات النبات، بل أكل الأفكار الأفكار.
وذكرت المجادلة الطويلة بين داعي الدعاة الفاطمي وأبي العلاء المعري حين أنشأ المعري قصيدته التي مطلعها:
غدوت مريض العقل والدين فالقني
لتخبر أنباء الأمور الصحائح
فأجأبه داعي الدعاة الفاطمي، وكانت بينهما مراسلة أثبت خلاصتها صاحب «معجم الأدباء» في ترجمة المعري.
وأشفقت من التمادي في هذا التفكير ففررت من هذا العناء إلى الاستمتاع بالماء والهواء.
الأربعاء 12 جمادى الثانية/21 مارس
الصحة والجرائم
أرى بين الأخلاق والصحة صلة وثيقة؛ أعني صحة الجسم وصحة العقل. فالعقل الصحيح ينفر من اقتراف الآثام، وينزع إلى التزام الشرائع، والوقوف عند الحدود، وصحة الجسم موصولة بصحة العقل. وقد قيل: العقل السليم في الجسم السليم.
وللعقل علل وللجسم علل، وبعض علل العقل أقرب إلى الرزائل تزينها أو تهونها، وبعض علل الجسم كذلك ينزع إلى الخروج على الشريعة والنكوب عن الصراط، والحيد عن الجادة.