تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعسير أن يبني الإنسان في الأنفس والآفاق، ويشيد ما يبقى على الأعصار ويربط على الجماعة وعلى النفس برباط من الخلق الحميد والسنة القويمة. وكذلك شأن البناء في العلوم والآداب وما إليها.

ويسير أن يعمد مضلل مفسد وغوي مخرب إلى ما شاد الإنسان، فيعمل فيه معولا من الحديد، أو معولا من الأباطيل، أو معولا من الرفاهية والترف والركون إلى الشهوات والاستسلام للحادثات.

شتان من يحمل النفس على مكروهها لتسمو وتحلق، ومن يزين لها شهواتها فتهبط وتخلد إلى الأرض.

ما أشق الصعود وما أسهل الانحدار، وما أصعب البناء وما أيسر الهدم!

السبت 8 جمادى الثانية/17 مارس

بستاني يقطف زهرا

رأيت في حديقة السفارة بستانيها يقطف زهورا يؤلف بينها وينظمها باقات يزين بها الحجرات.

فخطر في نفسي خاطر هو شهرة اليوم، وطرفة العصر، أن هذا البستاني يتعب في جمع الزهر وتنضيده لغيره فلا يستمتع هو بعمل يده.

ثم فكرت فقلت: إنه في الحديقة رب الحديقة؛ إنه يستمتع بها أغصانا مائسة، وزهورا حية، وثغورا ضاحكة، بينما يستمتع غيره بزهور على غير أغصان، تذبل فيها المعاني والألوان. إنه يستمتع بها عملا وأملا، يغرس ويرجو نمو غرسه ، وينع زهره، ويفرح كلما رأى عمل يده قد انقلب أغصانا وأزهارا، وحياة وجمالا، فهو كل حين في أمل باسم وعمل ناضر.

إن هذا البستاني سعيد ما وجد قوته في عمله، وما شعر بقيمة سعيه، وما أدركت نفسه جمال الأشجار والأزهار، وترقرق الماء، وصفاء الهواء.

وكذلك كل زارع وصانع، الزارع سعيد بثمرات زرعه، وسعيد بعمله وأمله بين الحرث والبذر والسقي والتعهد والحصاد، سعيد ما أخذ نصيبه من كده، واستيقظت نفسه لعمله، فعرف أنه خير وجمال وعبادة لا تنقطع. ولا يدرك من أكل خبزه من السوق باللذة التي يجدها الزارع في صحبة زرعه من الحبة في الثرى إلى اللقمة في فمه.

وكم يلذ الصانع مهارة يده، ويطرب لإتقان صنعه، ويجد سعادة في تقليب المصنوع في يده حتى يبلغ كماله ويستوفي جماله.

إن كل هؤلاء سعيد، ما وفر له القوت، ولقي جزاء عمله، وقدر الناس ثمرات كده، وقدر هو ما يعمل لنفسه وللناس.

إنهم كالعلماء والأدباء في كد دائم، وجهد مستمر، ولذة لا تنقطع، ومتعة لا تفتر.

الأحد 9 جمادى الثانية/18 مارس

الروح والجسم

رأى الناس منذ عقلوا هذا الكون وفكروا فيه وتأملوا أشياء محسة تدركها الحواس، ينالها اللمس أو السمع أو البصر. ورأوا أشياء أخرى يدركها الفكر ولا تنالها اليد ولا تدركها الحواس الأخرى.

رأوا جسم الإنسان محسا محدودا موزونا، وأدركوا مع الجسم شيئا يدبره ويصرفه، له عقل وفكر وإرادة ولا تناله الحواس؛ وهو الروح.

ثم اختلفوا مذاهبهم في الروح وصلتها بالجسم، وورثت الأجيال هذا الاختلاف.

فمن الناس في القديم والحديث من أنكر الروح، وعجز عن إدراك شيء لا يعده ولا يزنه ولا يدركه بحاسة من حواسه. ومنهم من قال: إن الروح والجسم مفهومان للمادة لا ينفصلان. وهذا الرأي الذي نشأ منه مذهب وحدة الوجود في عرف الفلاسفة القدماء، غير وحدة الوجود في رأي الفلاسفة المسلمين والصوفية.

وطغت المادة على كل شيء في أوائل عصرنا حين ثار الناس على الدين، وعلى كل ما ليس طعاما وشرابا ولذة وأمرا تناله العيون والأيدي. ثم ساروا في إعظام المادة والتأمل فيها والبحث في خصائصها ثم البحث في كنهها، فانتهى بهم البحث إلى أن المادة تنطوي على حركة، وتنتهي إلى قوة ... إلى آخر ما قال علماء المادة، وإلى أن الذرة تنطوي على شمس كما قال بعض الصوفية قبلا.

ومعنى هذا الذي انتهوا إليه، أو بلغوه في بحثهم وعسى أن يجاوزوه، أن العالم كله روح لا مادة فيه. إن وحدة الوجود تفسر اليوم بأن العالم روح في حقيقته لا مادة كما حسب الباحثون من قبل.

فقد انتهت التجارب الحسية إلى ما أدركه البشر من قبل بالوجدان والإلهام إلى ما قاله الأنبياء والصوفية وكثير من الفلاسفة، أن الروح حق لا ريب فيها. فمن شاء فليشك في غيرها، في المادة التي وقفت عندها نفوس هي في ضيقها وعجزها كالحواس التي لا تدرك إلا المحسوسات.

الشوارد · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٣٤