تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأربعاء 5 جمادى الثانية/14 مارس

يوم المغرب في باكستان

اجتمع الناس هنا في يوم سموه يوم المغرب؛ اجتمعوا انتصارا لأهل المغرب تونس والجزائر ومراكش، وتأييدا لهؤلاء المنكوبين ومواساة لهم في شكواهم، وجهادهم لدفع البغاة، وإجلاء المسيطرين عن بلادهم.

اجتمع الناس فاستمعوا إلى خطباء عرب وغير عرب، جمعهم الإسلام بأقوى من عصية الأقوام، فأبانوا عن آراء متوافقة، وعواطف متشابهة، وبينوا كيف ابتلي المسلمون أهل المغرب بدولة غاشمة يهتف بالحرية لسانها ويكفر بها قلبها، وتدعي أنها أول من دعا إليها، ويشهد الناس أنها اليوم أول منكر لها، ولن تكون إلا آخر المعترفين بها، ولن يكون اعترافها إلا إكراها، ولن يكون إيمانها إلا نفاقا.

إن دول العالم جميعها قد قبلت راضية أو كارهة أن تجلو عن كل أرض لها حضارة وفيها ناس يطلبون الحرية، ويعملون لها ويجاهدون في سبيلها، حتى الإنجليز خرجوا من الهند وتركوا أمورها بأيدي أهلها. ولكن فرنسا التي تفخر بأنها أول من حرر الإنسان - وإن كذبها الزمان - لا تدخل فيما دخل فيه الناس، ولا تسلم لأمة بحقها ما دامت قادرة عليها، ولا تؤمن بأن لأهل المغرب - هؤلاء المسلمين العرب - كرامة، وأن لهم حقا أن يطمحوا إلى مساواة الفرنج، ويقولوا: بلادنا وحقوقنا وحريتنا وسيادتنا.

إن الفرنج دعوا إلى الحرية والإخاء والمساواة في بلادهم، وجعلوها شعار ثورتهم. وما فكروا في العرب وأشباه العرب حين هتفوا بالحرية والإخاء والمساواة. إنهم يقولون في أنفسهم مقالة اليهود من قبلهم: ليس علينا في الأميين سبيل. فليقولوها حتى توقظهم الحادثات وحتى يذكرهم العرب أنهم أمة دار عليها الزمان، ولكن لم يمح إيمانها، ولم يذهب عزمها، ولا ذهب بعزتها ولا نقص من كرامتها.

الخميس 6 جمادى الثانية/15 مارس

الكلام المأثور

لحكماء الأمم، وأئمتها وقادتها كلام مأثور ترثه الأجيال وتتداوله الأعصار، وهو في عيونها نور، وفي قلوبها نار، وفي عزائمها قوة، وفي أخلاقها فتوة.

ولن تخلد الكلمة على الأجيال إلا إن اتصلت بالحق والخير، وكان لها من قوانين الله في خلقه سند، ومن إلهامه لعباده مدد. ورب كلمة بارقة يرمي بها سلطان مسلط أو صنم مشهور، فتدوي حينا وتتألق زمانا ثم تصمت وتنطفئ وتكون كالشهاب يحور رمادا بعد التهاب؛ بما كان دويها من صوت الباطل لا الحق، وائتلاقها من زخرف الكذب لا الصدق.

ولا ينطق بكلمة الحق الخالدة إلا عقل مدرك، وقلب سليم، إلا قائل يعتد بنفسه ويثق برأيه، فيرسل الكلام أمثالا سائرة، وبينات في الحياة باقية. لا يصف وقتا محدودا ولا أمرا موقوتا ولا إنسانا فردا ولا حدثا واحدا؛ ولكنه يعم الأجيال والأعصار، والبلدان والأقطار.

وعلى قدر عظم القائل تجد هذا العموم في قوله، يبغي أن يجعل كلماته للناس منهاجا، وفي ظلمات الحياة سراجا وهاجا. تجد هذا الضرب في كلام قادة الأمم، وتجده في كلام كبار الشعراء أمثال المتنبي، وفي كلام الكتاب أمثال الجاحظ وبديع الزمان وأبي حيان. ويبلغ هذا الضرب من الكلام الذروة، وينال نهاية الروعة في كلام محمد رسول الله؛ إذ كان للأمم معلما، وبسنن الله عالما، وعن الوحي ناطقا، وهذا معنى قوله: «أتيت جوامع الكلم،

صلى الله عليه وسلم .»

الجمعة 7 جمادى الثانية/16 مارس

ما أصعب البناء وما أيسر الهدم!

في الناس بناءون، وفي الناس هدامون. فيهم من يبنون أبنية حسية من الدور والقصور والمساجد والقناطر والسدود ... وغيرها، ومنهم من يبنون أمة أو جيلا أو جماعة، أو يبنون دينا أو سنة في الخير أو خلقا أو مكرمة أو مأثرة. وفيهم من يبني علما أو أدبا، وهلم جرا. هؤلاء ينامون في الآفاق والأنفس.

وفي الناس من يخربون ما بنى الإنسان من مدن، وما شادوا من قناطر وسدود. ومنهم يهدمون أمة أو جماعة بتفريق الكلمة بينها، وبث العداوة فيها، أو توهين أخلاقها أو تحريف سننها. ومنهم من يزلزل دينا أو يطفئ نوره بما يبث في النفوس من شبه وما يضل به من تأويل، ويبطل به الأحكام من حيل. ومنهم من يأتي إلى ما اهتدى البشر إليه بالوجدان والعقل والتجربة، من أخلاق وآداب تمسكهم عن الهوي، وتعصمهم من التهافت فيلقاها بالسخرية والتشكيك، ويقابلها بالمطامع والشهوات ليحل في النفوس عقدتها، ويفصم في الأعمال عروتها.

الشوارد · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٣٣