يخترع الإنسان جنس الشيء ثم يرقيه أنواعا وضروبا فإذا بلغ نهايته طمح إلى جنس آخر وتفنن في أنواعه وضروبه ... وهكذا، في كل جنس ضرورياته وحاجياته وكمالياته.
هذا في الحق فرق ما بين الإنسان والبهائم والطير؛ البهيمة والطائر تهديان إلى ضرورات العيش وحاجاته بل كمالاته أحيانا. ولكن ما يخترعه الحيوان الأعجم يبقى أبد الدهر على حاله، فعش الحدأة اليوم هو فيما أحسب كعشها قبل آلاف السنين.
الإنسانية ابتكار فإتقان فإحسان، فابتكار فإتقان فإحسان، لا وقوف ولا غاية، فإن عجزت أمة عن هذه أو ونت فيها كان نقص الإنسانية فيها على قدر عجزها أو وناها. فليعرف الإنسان سيره على هذه الأرض وسبيله في هذه الحياة.
الإثنين 3 جمادى الثانية/12 مارس
الذئب الذي لا تخشاه الغنم
كنت في حفل يجمع رجالا ونساء، ومعي صاحب فكه، يكثر الحديث والضحك، ويتكلم في كل ما يرى جدا وهزلا ، ورشدا وغيا.
ورأى شيخا من الحضور تحف به نساء جميلات، قال: كيف ترى ألا تغبطه وترجو أن تكون مكانه؟ قلت ضاحكا: أمنه الغانيات فاقتربن، ويل للذئب الذي لا تخشاه الغنم! ضحكنا ومضينا في شجون الأحاديث، ثم عاودت التفكير في الذئب الذي لا تخشاه الغنم، فتوالت علي أفكار وتتابعت معان.
قلت: كل ما من شأنه أن يخشى، يضعف كيانه، ويتغير جوهره حين تزول خشيته، ولا تخاف سطوته. السلطان الذي لا يخشاه المفسدون، والشرطي الذي لا يهابه المجرمون، والرئيس الذي لا يرهبه في الحق المرءوسون، أولئك كالذئب لا تخشاه الغنم، ليس فيهم سلطان ولا سطوة ولا رياسة. وفي المثل العامي «الثعبان الذي لا ينهش خير منه الحبل.» قلت: وكذلك يقال في الرجاء، كل من يرجى لجلب نفع أو دفع ضر، يضعف كيانه بل يتغير جوهره، إن لم يكن موضع الرجاء، وأهل التأميل.
ويسير أن يوسع القول ويطرد القياس في كل الخليقة؛ حيوانها ونباتها وجمادها. كل ما حالت صفته التي تجلى فيها وعرف بها، هو عن كيانه حائل وعن جوهره زائل. الحديد اللين والحجر الرخو والنخل غير المثمر، والعضاء غير الشائك، والبقرة التي لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، ولا تدر اللبن، والإنسان الذي لا يرجى ولا يخشى.
الثلاثاء 4 جمادى الثانية/13 مارس
الحرية المكذوبة
كذب الحرية يتبين في فريقين من مدعيها أو أدعيائها: فريق يعذر لضعف إرادته ووهن عزيمته، وعجزه عن تصريف نفسه فيما تأتي وما تذر، وما يحسن وما يقبح، فيسيب نفسه في مآربها، ويسيمها في أهوائها، زاعما أنها الحرية تمد له في شهواته، وترخي له الطول في نزغاته، ويقول: لماذا أعبد نفسي وهي حرة، وأقيدها وهي طليقة؟ وتلكم العبودية في أقبح صورها.
وفريق آخر يأخذ عليه عقله، ويملك عليه إرادته، إكبار أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات أو واحد من الوحدان، فيقلده ويتملقه، ويسلك سبيله في أموره كلها أو بعضها. وهو في هذا يخالف سنته في أمته، أو يخرج على أدب في جماعته، أو ينتهك حرمة في شريعته، ويرفع صوته بادعاء الحرية، والخروج على السنن العتيقة، والسير مع الزمان، ومتابعة الحدثان. ولا تعوزه حجج يسوقها، وأدلة يزوقها. فإن تأملت في أمره، وكشفت دعواه عن حقيقته، وفضحت ظاهره عن باطنه، علمته أسيرا مقيدا، وذليلا مستعبدا، يتبع جماعة لا يملك خلافها، ويساير سادة لا يستطيع التخلف عنهم، وأنه لم يقطع قيده في أمته ليتحرر ولم يحد عن سنن عتيقة برأيه واختياره.
تبصر في كثير من مدعي الحرية وتعرف أحوالهم تجدهم مقلدين تابعين، وأسارى مقيدين تبعوا أوامر المسيطرين وآثروا قيود الغالبين. وآية هذا أنهم لا يخالفون أمتهم في أمر إلا وافقوا غيرها فيما يخالفه، ولا يتحللون من أدب أو عادة في بلادهم إلا آخذين غيره من بلاد أخرى.
إن الحرية أن تملك عقلك ورأيك وخيرتك فتقبل وترد، وتستحسن وتستقبح، وإنما يفعل هذا الأحرار حقا، لا من أرهقوا رقا، وأين أين الأحرار؟