إن من يرقب الخطباء في المجامع يستطيع أن يكتب المضحك المبكي، ويعرف من أخلاق الناس وآدابهم ما لا يعرف في مقام آخر.
الجمعة 30 جمادى الأولى/9 مارس
الواحد والجماعة
الجماعة آحاد اجتمعت، والأمة أفراد تضامت، اجتمع جسم وجسم، وانضم فكر إلى فكر، وائتلفت إرادة وإرادة، فكانت الأمم على اختلافها، والجماعات على تفاوت ما بينها.
كل جماعة فيها صفات آحادها؛ مزاياهم وعيوبهم، وفضائلهم ورذائلهم، ومحامدهم ومساوئهم، وجهلهم وعلمهم، ورفقهم وخرقهم، وما شئت من صفات محمودة ومذمومة. ولكن الواحد حين يأتلف في الجماعة، تحد حريته، وتقيد إرادته، وتنشأ له حقوق وعليه واجبات، وتتسع حياته وتعظم مقاصده وآماله. وكذلك الجماعة يكون لها من القوة والنظام والخطط والسير ما يخالف بين معيشتها ومعيشة الواحد، كما يأتلف اللفظ المفرد في الكلام المركب فترى فرق ما بين المفرد مفردا وبينه مؤلفا مع غيره في نظام من الكلم.
وليس هينا تآلف الجماعة وانتظامها وسيرها. وكثيرا ما تعجز الأفراد عن الائتلاف، وتقصر الجماعة عن التآلف. وأكثر شقاء الناس من خلل التآلف في الجماعة وفساد التركيب. بل الإنسان، باديا متوحدا على قلة حوله وطوله، أسعد حالا منه في جماعة متأخرة متخاذلة.
ونعود إلى التشبيه باللفظ مفردا ومركبا في النظم، إن حسن تأليف الكلام، واستقام الوزن وتلاءمت القافية كان للفظ دلالة ومكانة وحياة ونغمة ليست له وهو مفرد، وإن ساء التأليف واختل الوزن وتخاذلت القافية، فتنافرت الألفاظ وتلاعنت، اكتسب اللفظ في التركيب عيوبا ونقائص لا يوصف بها وهو مفرد. وكذلك الجماعة في الأمة كالبيت في القصيدة ... وهلم جرا. البيت وحدة يسلم من عيوب تعرض له في القصيدة، يقول المعري:
كالبيت أفرد لا إيطاء يلحقه
ولا سناد ولا في اللفظ إقواء
السبت 1 جمادى الثانية/10 مارس
ذئاب من البشر
في الناس ذئاب لا يرحمون إذا ظفروا، كما لا يرحم الذئب فريسته إن تمكن منها، ولا يستحون أن يدبوا في الظلام إلى الآثام كما يفعل الذئب إذا جن الليل، ويرون في الضعف نهزة للهجوم، وفي الجرح فرصة للقتل، كما يقال عن الذئاب: تصول بنابها على الجريح من أصحابها.
فكنت كذئب السوء لما رأى دما
بصاحبه يوما، أحال على الدم
ولا يستنكف أن يلغ في الدماء، وينهب الأموال، وينتهك الحرمات، كما يعبث الذئب في الغنم، لا يحلل ولا يحرم. بل في الناس شر من الذئاب، الذئب يصول به الجوع وترمي به المسغبة، فهو يدفع الجوع الذي يقاتله، والضر الذي ينازله، وذئب البشر يصول به البطر ويطغيه الأشر.
لا أقول هذا تحقيرا للإنسان، فكم في الناس من بر كريم وآس رحيم، والإنسان للخير خلق، وللبر هيئ، وللسمو إلى أعلى درجات الخير أهل. ولكن لا ريب أن في البشر ذئابا يعملون ظفرا ونابا، وأن على الجماعة أن تطب لهذا الداء وتلتمس له الدواء.
الأحد 2 جمادى الثانية/11 مارس
الإنسانية في تقدم مستمر
خلق الإنسان مريدا فعالا، شاعرا بالكمال، طامحا إليه، عاملا له. وحضارة الإنسان، في اختلاف حالاتها، وتفاوت درجاتها، شاهدة بإرادة الإنسان وشعوره بالكمال، وتشوقه إلى التكمل وجده في بلوغه.
تجد الإنسان يخترع الشيء الضروري طالبا أولى درجاته، ثم يطلب بعد كل درجة ما بعدها، ثم يطلب الأمر الحاجي أولى درجاته، يرتقي فيه درجة بعد أخرى، ثم يطلب الكمالي ويرتقي فيها درجات، فإذا بلغ عليا درجاته طمح إلى غيره من الكماليات ... دواليك إلى غير نهاية.
أضرب مثلا مراكب الإنسان: استأنس حيوانا فركبه فلما ذل له طلب الرفاهية بالسروج والأكف، ثم افتن في زينتها، وعلم الحمير والخيل والإبل فنونا من السير وأساهيج من الجري. واخترع المركب في البحر وقنع أول الأمر بالرمث ثم طمح إلى الشراع فالبخار، وانتهى في صناعة السفن وتسييرها إلى ما نرى اليوم. وكذلك قل في القطر والطائرات، وقس أول قطار اخترع، وأول طائرة صنعت بما تبصر اليوم.