تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقلت: إن كانت هذه الشيوعية نعمة على الناس وسعادة للبشر وقد فرح بها أهلها وحرصوا عليها فلماذا يضرب الروس بين رعاياهم وبين الناس بالأسداد، ويمنعون الخروج من بلادهم والدخول إليها؟! هل يأذن الروس أن يسأل المسلمون الذين تحت كابوسهم أيريدون الاستقلال أم البقاء في دولة الروس؟ أيختارون أن يكونوا شيوعيين أم يختارون أن يعيشوا كما يعيش الناس في البلاد التي تسير على نظام من العدل والمساواة والحرية؟

إن لم يقبل الروس هذا فقد كذب كل ما يدعون من حرية وما يزعمون من اغتباط الناس بقوانينهم، وسعادتهم بشريعتهم.

إن الناس في روسيا من الرضيع إلى من بلغ الخمسين من عمره، ولدوا أو نشئوا في سيطرة الشيوعيين، فلم يبق ممن عاشوا في النظام القديم إلا الشيوخ، فإن لم تكن تربيتهم أثمرت في هذه الأجيال وقد ملكوا الأمور فيها كما يشاءون فليعترفوا بأنهم خابوا وأنهم ساموا الناس شرعا لا تقبله الطباع، ولا تقره الإنسانية، وأن الخير أن يفيئوا إلى الرشد ويثوبوا إلى الحق.

الأربعاء 29 جمادى الأولى/7 مارس

ضربة مجنون يشقى بها العقلاء

سمعت في أمثال الإنكليز أن الحجر الذي يلقيه مجنون في بئر لا يستطيع إخراجه مائة عاقل.

وأوحى إلي تسطير هذه السطور تفكيري في حادثات وقعت في أرجاء الأرض وفي عصور التاريخ، عدا فيها شرير على خير، ومفسد على مصلح، فأصاب الناس مصيبة لا يطب لها الأخيار، ولا يشفى منها العقلاء، ودها الأمم بصدع لا يرأب ومزق لا يرفأ، وجرح على الزمان سيال، وقرح تنكؤه الأجيال بعد الأجيال. وكم حادثة أيقظ فيها جاهل فتنة نائمة، أو فرق شملا مجتمعا، أو أثار حربا طاحنة! وعي العقلاء عن جمع ما فرق، وتسكين ما أثار، وبناء ما هدم، وأسو ما جرح، وشقيت وحدان وجماعات بما أحدث الجاهلون، وأيقظ الغافلون، وأثار العابثون.

ما أعسر البناء وما أيسر الهدم، وما أسهل الإفساد وما أصعب الإصلاح! إن قتل النفس هين وإحياءها محال، والنار يشعلها طفل، فإذا اضطرمت واحتدمت وتلقفت البلاد أو استعرت في الزروع؛ عي عنها التفكير والتدبير والجمع الكثير.

هذا كله يعرفه العقلاء، ولا يستعصي إدراكه على الدهماء. فعلى ساسة الجماعات وقادة الأمم أن يذكروا هذا فيما يقولون ويفعلون، وأن يحذروا شرر الكلام في شرار الأنام، وأن يتعاونوا على تهدئة المجانين لا إثارتهم، وعلى تسكين الجهلاء لا تحريشهم، وعلى رياضة الدهماء لا إهاجتهم. وينبغي أن يتعاونوا على تمكين الوئام وإشاعة السلام، ويأخذوا على الفتنة سبيلها، وعلى الثورات طرقها، ويذكروا دائما أن ضربة مجنون يشقى بها عقلاء.

الخميس 30 جمادى الأولى/8 مارس

أي الفريقين أجدر بالرثاء

شهدت مجامع كثيرة يتكلم فيها خطباء، وفي الناس من يحب إطالة القول، وينسيه الزهو والأثرة ما يعاني الناس من ضيق الزمان أو المكان أو ثقل الكلام.

وبعض المجامع يحضرها طوائف لا تتفق على لغة واحدة فيخطب الخطيب ويترجم كلامه فيضاعف للسامعين العذاب، ويخطب خطيب فلا يترجم كلامه، وربما يعتذر خطيب لمن لا يفهمون لغته ويستغفرهم لتكلمه طويلا بلغة لا يفهمونها.

حضرت مجمعا أطال فيه خطيب ثرثار ثم اعتذر لمن لا يعرفون اللغة التي خطب بها، قلت لصاحب بجانبي: إن الذين فهموا الخطبة أولى بأن يعتذر إليهم وأجدر بالرثاء؛ استراح من جهلوا اللغة وشقي من عرفوها.

ورأيت بعض الخطباء في مثل هذا المجمع يعنون المترجم، يقول أحدهم قولا فيه ما لا يفهم وفيه ما يغمض وفيه ما لا وزن له وهو في حجاب من لغة لا يعرفها جمهور الحاضرين. ويحاول المترجم المسكين وهو يرتجل الترجمة أن يفهم ما لا يفهم، ويوضح ما غمض ويزن ما ليس له وزن. وقد عرفت في هذا لباقة بعض المترجمين وحسن تصرفهم بالحذف والشرح والتبديل، فأعجبت بالمترجم وأشفقت عليه، وعجبت لخطيب عيي، ومترجم بليغ، ومتكلم غبي وناقل ذكي.

الشوارد · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٣٠