الجمال يقاس ويباع
مما ابتلينا به من مادية هذا العصر ونذالته، أن صارت المرأة التي تؤتى حظا من الجمال مغنما للتجار، ومتجرا لعباد المال من هذا البشر. فهي تجلب المشترين إلى الحوانيت، والمتفرجين إلى الملاهي، ولها وراء هذين تجارة ونحارة.
ومما ابتلينا به أن اخترع تجار الفنادق والملاهي تمليك امرأة على النساء تسمى ملكة الجمال، فإذا ملكوا امرأة ذاع صيتها، وشهرت صورتها، فتنافس فيها أصحاب الخيالات، وناشرو الصحف والمجلات، وقوام الفنادق فاتخذوها وسيلة إلى السمعة، وأحبولة للرواج، وخدعة لكنز المال.
كذلك هانت النساء، ولؤم الرجال، وضاع الإباء، واتضعت الهمم وفقدت المروءات حتى ليس إلا المال والسمعة والمتعة، سواء في هذه الورد الذليل، والورد العزيز، والمطعم الحلال والمطعم الحرام.
وكذلك عرف بعض الناس الجمال، وقدروا الحسن، وأنزلوا المعاني الروحية السامية من سمائها، وهبطوا بها من عليائها، وحبسوها في ضيق أنفسهم، وحدوها بحدودهم، وقدروها بدناءة أخلاقهم. ومن أجل هذا قاسوا الجمال طولا وعرضا، ووزنوه وزن السلع، وحسبوه حساب الذهب والفضة، ثم قالوا: هذه جميلة وهذه أجمل، وهذه ملكة الجمال! وما قاسوا إلا مآربهم، وما حسبوا إلا متاجرهم، وما قدروا إلا شهواتهم. وما ظنك بناس جعلوا الشعر تفعيلات، والموسيقى آلات، والحسن قياسا وحدا، والجمال نقدا وعدا.
الإثنين 27 جمادى الأولى/5 مارس
شر السرقات
تكلم الأدباء في السرقات الأدبية، وبينوا حدودها، وذكروا صغيرها وكبيرها، وأقوالهم في هذا كثيرة في كتب الأدب، ولا سيما كتب النقد.
ومن شر ما علمت من السرقة، وأقبحها وأخفاها وألأمها سرقة يستهين بها بعض المؤلفين وهي في الحق عظيمة، ويستصغرها بعض السراق وهي في شرعة الإنصاف كبيرة.
يتناول مؤلف كتاب موضوعا بالنظر والبحث والاستقراء ويعثر بعد طول بحث ومراجعة واستعانة بما علم وجرب وقرأ وسمع، على كلمة قيمة، وسند قوي من كتاب أو أثر فيعزز به رأيه ويؤيد به دعواه. والظفر بهذا السند أعظم في رأيه مما قال ابتكارا، وبين اختراعا في هذا الشأن، وهو أبعد منالا وأعظم شقة.
ثم يأتي مؤلف كسول مرفه، أو غبي أو جاهل يقصر غباؤه أو جهله دون إدراك المراجع، والاستفادة من قديم الكتب والآثار، فيأخذ النص الذي أضنى فيه المؤلف نفسه فيضعه في كتابه، ويسمي الكتاب ويبين الباب والصفحة كما وجدهما في كتاب المؤلف الباحث الجاهد، ويتخطى المؤلف الذي دله وهداه، فلا يذكره كأنه هو بحث واستقصى وعلم وجرب فاهتدى إلى هذا الدليل في مظنته. فهذه السرقة اليسيرة الظالمة تذكرني بما حكي عن أعرابي كان له شأن في محكمة فدخل فأخذ منه رسم، فلما خرج سأله من يعرفه: ماذا فعلت؟ قال: أخذوا مالي. قيل من؟ قال: هؤلاء، لصوص الفي؛ يعني الذين يجلسون في الظل فيسرقون لا يحتملون سير الهجيرة، ولا سرى الليل.
الثلاثاء 28 جمادى الأولى/6 مارس
المسلمون في روسيا
قرأت بيانا نشره خليق الزمان الزعيم المسلم ورئيس الرابطة الإسلامية قبلا، وهو يجادل في بيانه الروس في دعواهم العمل لتحرير الناس، قال: ماذا فعلتم بالمسلمين في بلادكم؟ أهم أحرر فيما يقولون ويفعلون؟ أم هم أحرار في أن يختاروا لأنفسهم الاستقلال عنكم أو البقاء معكم؟
وقد أثار بيان خليق الزمان في نفسي أفكارا كثيرة، قلت: هؤلاء المسلمون في روسيا لا يسمع لهم شكوى، أهم راضون بما هم فيه مغتبطون؟ أم هم لا يجسرون على الشكوى ولا يقدرون على الأنين وقد ضرب عليهم الروس سورا قطعهم عن الناس؟ فالأمم لها شكاوى وقضايا، والمسلمون في أرجاء الأرض ظفروا بحريتهم أو هم يجادلون ويجاهدون للظفر بها، إلا هؤلاء البائسين الذين يعيشون في أرض الإخاء والحرية، لا تسمع شكواهم ولا تعرف بلواهم، حتى كدنا ننساهم. وقليل منهم فروا من هذا السجن فقصوا على الناس ما هم فيه، وليس حالهم من الإنسانية في شيء، ومنهم من خرجوا إلى الحج بإذن، ولا يؤذن إلا لمن يوثق به، فمروا ببلاد المسلمين لا ينطقون وإذا سئلوا لا يجيبون، يتهم كل واحد صاحبه، والتهم قاعدة القول والعمل في روسيا.