تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاءت هريرة فمرت أمام المصلين قبل أن تقام الصلاة، فنهرها رجل ودفعها فعادت، فدعها بعنف، فرجعت. فما زال ينهرها ويدعها فتعود، حتى شغل الحضور عن الخطبة وأبرمهم بعمله ونفرهم من قسوته.

ومد يده رجل آخر فمسح الهريرة حتى سكنت إليه فدعا صبيا حسبته ابنه فناوله الهريرة بعيدا، فحملها الصبي وبعد بها قليلا ووضعها وأشار عليه أن ضعها، فمضت سبيلها ولم تعد إلينا.

قلت: هذا فرق ما بين الرفيق والأخرق، هذا يتناول السهل فيصعبه، وذاك يتناول الصعب فيسهله، هذا يعمل قوته، وذاك يعمل حيلته. إن العسر واليسر في نفوس الناس وتصرفهم أكثر مما هو في الأمور التي يتصرفون فيها، إنك لترى الأمر تحسبه معضلا فإذا هو يسير عند الحكماء، وترى القضية تظنها فوق فطنة الفطن وحلم الحليم، فيتناولها الحليم رفيقا كيسا مفكرا فما يزال بها تفكيرا وتلطفا حتى يجلو غامضها ويسكن نافرها ويقضي فيها برأي عدل، وقول فصل. فيفض الخصام ويفضي إلى الوئام، ويدفع شرا ويمهد لخير.

الرفق خير كله فليرفق الإنسان بنفسه وعشيرته وبالناس، وليرفق بالحيوان ولو كان هرة صغيرة تؤذي المصلين.

الجمعة 23 جمادى الأولى/2 مارس

الحياة غير القانونية خير من الموت القانوني

كثيرا ما شهدت مجالس، أو لجانا، فتأخر العمل إلى يوم آخر أو تأخر ساعة عن وقته؛ لأن عدد الحاضرين دون النصاب. وكثيرا ما دعوت إلى التحلل من النصاب جهد الطاقة بأية وسيلة وبأية حيلة؛ رغبة في العمل وكراهة لضياع الوقت. كنت أقول، فيضحك أصحابي: أنا لا أؤمن بالنصاب فلنعمل!

وكان لنا جماعة اجتمع بعض أعضائها فعملوا فجاء آخرون من الأعضاء يدعون أن الانتخاب الذي وقع باطل، وأن الجماعة لا قانون لها، وأنه يبغي التمهل حتى يوضع القانون ثم يكون انتخاب غير الذي كان.

وحكمت في الأمر أنا وقليل من الأصحاب، فاجتمعنا فتحدثنا فقلت: يا إخواني دعوا الذين يعملون في عملهم، ولا تقولوا للانتخاب الذي كان إنه باطل، وضعوا قانونكم ثم أنفذوه على الجماعة، واستأنفوا انتخابا على هذا القانون. استجيبوا لي فكفوا عن الشقاق، وبادروا إلى العمل، ثم تجتمعون على قانون جامع. قال المخالفون: هؤلاء العاملون دعوا إلى انتخاب بغير حق، فوقع الانتخاب باطلا، ولا بد أن يكفوا عن العمل، فنحن لا نقر عملا باطلا. قلت: يا إخواني إن الجماعة كانت معطلة منذ زمن طويل فأحياها هؤلاء وعملوا فدعوهم على الرأي الذي أشرت به فإني أرى أن الحياة على خلاف القانون خير من الموت بالقانون.

السبت 24 جمادى الأولى/3 مارس

مناجاة

تجلى عن جمال الصبح ستر الظلام، وهبت من مهاجعها الناس والأنعام، وملأت الآفاق من الطير الأنغام، موسيقى تملأ الأرض والسماء، كأن أوتارها أشعة الضياء، ومضرابها خفقات الهواء، تسمعها في حفيف الأشجار، ونشيد الأطيار، وتبصرها مكتوبة في أمواج البحار وألوان الأزهار.

استيقظت القلوب في الأشعة الصافية، والنسمات الهافية، والنغمات الشادية، فتجاوبت النغمات بينها وبين الأرض والسموات، وإذا قلبي ينشد هذه الأبيات:

فالق الإصباح رب المشرقين

باسط الليل ورب المغربين

أنت في الصبح ضياء وجمال

أنت في الليل ضياء وجلال

ناشر الشمس خضما من ضياء

طاوي الذرة شمسا في خفاء

يا جليا في دجى أستاره

يا خفيا في ضحى أنواره

ناظم الكون البليغ المبدعا

محسنا مطلعه والمقطعا

كل لفظ فيه نظار إليك

كل معنى فيه برهان عليك

منك هذا العقل، هذا الثائر

طالب إياك ساع حائر

جاوز الأفلاك يسعى نحوكا

يكشف الأستار يبغي وجهكا

منك هذا القلب هذا الخافق

في الدياجي منك نور خافق

ذاكر إياك راج كل حين

خفقه ذكر وشوق وحنين

اجعلن عقلي شهابا ثاقبا

يصدع الباطل حقا صائبا

واملأن قلبي بحب وصفاء

واجنبنه كل بغض ومراء

اجعلن وجهك قصدي لا سواه

هونن في عين قلبي ما عداه

الأحد 25 جمادى الأولى/4 مارس

الشوارد · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٢٨