فلا تزكوا أنفسكم . قال: وإنما نمر على الناس في دورهم ومجامعهم فإذا اتفقوا على واحد ممن يصلح لجماعتنا؛ أي مرضي الدين والخلق وافقناهم على أن يذهبوا يوم الانتخاب لينتخبوه. قلت: ويلي على الناس عامة والمسلمين خاصة! أين ذهبوا من هذه الأخلاق العالية: لا يطلب أحد الولاية، ولا يزك أحد نفسه؟ إن طلب الولاية، والمنافسة فيها، والتزاحم عليها والتشفع إليها من سنن البلاد الإسلامية اليوم، فأين نحن مما يريد الإسلام؟ وإن تزكية النفس والطعن في الخصم، وتمدح الإنسان بما لم يفعل، وبخس الناس حقهم، من مذاهب المسلمين في هذا العصر، فأين هم مما يريد الإسلام؟
سمعنا في تاريخنا بمن يدعى إلى تولي القضاء فلا يقبل، وسمعنا بمن يأباه ويكره عليه، وعلماء المسلمين في الأزهر وطلابه في هذه الساعة التي أكتب فيها ثائرون ممتنعون من التعليم والتعلم حتى تجاب مطالبهم وليس فيها إلا المال. وكان علماؤنا من قبل يختلفون أيجوز للمسلم أن يأخذ أجرا على التعليم؟
أعرف أن الزمان تغير والناس تغيروا، وحدثت شئون ونشأت أمور، فلا أكلف المسلمين أن يلتزموا هذه الطريقة المثلى، ولكن أدعوهم ألا يبعدوا عنها، ويذهبوا إلى أضدادها. فإن طلبوا الولاية فليطلبوها بالحق ولينفعوا الناس، وإن زكوا أنفسهم فليزكوها بما فيها لا يتزيدون ولا يكذبون، وإن أخذوا أجرا على التعليم فلا يجعلوا الأجر أكبر همهم، بل يعدوه بلاغا يعيشون به حتى يفرغوا لعملهم، من كان غنيا رضي بما أعطي قليلا أو كثيرا، ومن كان فقيرا طالب بما يستحق لا يشره على المال، ولا يجعله أكبر همه. لا نطمع أن يكون المسلمون كما كان سلفهم، ولكنا ندعوهم أن يكونوا كغير المسلمين.
وإلى الله المشتكى!
الأربعاء 22 جمادى الأولى/28 فبراير
حياة لا تستحق الانتحار
قال لي صاحب مصري، ونحن في لندن قبل سنين كثيرة: ماذا ترى؟ إني أريد أن أنتحر! ولم يكن الرجل مريضا أو فقيرا أو مظلوما أو مرهقا بأمر من أمور المعيشة، بل كان شابا موسعا عليه في الرزق، ذا منصب يشرئب إليه أمثاله. قلت: إن هذه الحياة لا تستحق الانتحار. فنظر إلي متعجبا من هذا الجواب العجيب، كان ينتظر أن أجيبه بما يقبح الانتحار ويفظعه، وينفره منه، وبما يحبب إليه الحياة، ويبصره بلذاتها ومحاسنها، ويجلو له جوانبها الناضرة، وأوجهها الباسمة، وما ارتقب أن أقول له: إن الحياة التي تبغضها وتبرم بها لا تستحق أن تنتحر من أجلها!
وتفسير هذا الجواب لهذا وأشباهه ممن يتحدثون عن الانتحار صادقين أو كاذبين، جادين في أنفسهم أو هازلين، أن هذه الحياة عندهم حقيرة دنية يبرم بها الإنسان أو هي شقية أليمة لا يطيقها الإنسان. فإن تكن هينة حقيرة مملة فليست تستحق أن يبخع الإنسان نفسه من أجلها. وإن قالوا: إنها شقية أليمة فأجدر بالإنسان أن يلقاها بصبر يهون شقاءها، وبحيلة تبدل أحوالها. أجدر به أن يكون آملا راجيا، مقدما على الصعاب، مقتحما العقاب. وأجدر به أن يكون حولا قلبا كما يقول تأبط شرا:
إذا سد منه منخر جاش منخر
إن الحياة تضيق على الإنسان، إذا حدها بجسمه الضئيل فهي محدودة اللذات مملة، ضيقة المجال مسئمة، لا تفي لذاتها بآلامها، ولا سعادتها بشقائها.
فإذا عرف الإنسان نفسه ووصلها بالعالم غير المحدود، ثم بالله رب الوجود، وجد فيها أملا وعملا، وفجاجا سبلا، ورقيا دائما وعروجا دائبا، ورأى أنه الكون وأنه لا يحد ولا ينتهي؛ فتهون عنده الآلام، بل تضيع في الآمال العظيمة، وتمحي في الحياة الروحية التي تسمو على كل صغائر هذه الدنيا،
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب .
الخميس 22 جمادى الأولى/أول مارس
الرفق خير كله
صليت اليوم صلاة الجمعة في المسجد الذي أصلي فيه، وهو مسجد صغير وراءه ظلة يجتمع فيها من لا يسعهم المسجد، وأنا أوثر الصلاة تحت هذه الظلة في نهاية صفوفها إيثارا للهواء ورغبة عن الزحام.