تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا أذكر من يسرق أو يغش فليس حديثي عن المجرمين، وكثيرا ما أسمع هذه الكلمة العجيبة: يا أخي توفر للحكومة؟ نعم أوفر للحكومة، وإن لم أوفر لها وأنا قادرة على التوفير فقد خنت الأمانة وخالفت ما يجب.

ينبغي أن يرعى كل موظف أمانته ولا يستهين بشيء منها ولا يحقر صغيرا فيها، فإن القليل إلى القليل كثير. وإن عمل كل موظف على أن يوفر عشر ما يستعمل أو ينفق توفر للأمة مال كثير، وإلى توفير المال، أداء الواجب وتأدية الأمانة، وهما المال الأقوم والثروة العظمى.

إن الناس كثيرا ما يفصلون بين الدين والأخلاق، وبين الاقتصاد فيما ائتمنوا عليه من مال الدولة وأعمالها. وليت شعري! فيم يراعى الدين والخلق إن لم يراع في إتقان العمل وحفظ الأمانة والمحافظة على الواجب والعمل للخير العام؟

إن الموظف لا يبعد عن الحق إذا تمثل نفسه في عبادة حين يعمل للأمة، فكل عمل يتقنه، وكل إصلاح يقترفه، وكل درهم يوفره، حسنة يرجى خيرها لنفسه، وثوابها عند الله. وكل تفريط وتضييع وإسراف وإفساد عليه ضرره في نفسه، وجزاؤه عند الله.

ولا يفرق من يحاسب نفسه ويتقي الله بين تضييع درهم بغير حق وتضييع ألف؛ فإن الفساد فساد في الصغير والكبير، والتفريط تفريط في القليل والكثير. فليتق الله من عمل للناس فيما دق وجل، وحسابه على الله.

الإثنين 20 جمادى الأولى/26 فبراير

إقبال في مسجد قرطبة

رأيت صورة الشاعر النابغة الفيلسوف محمد إقبال خاشعا يصلي في مسجد قرطبة.

إن مرأى مسلم خاشع يصلي في مسجد لها جمالها وروعتها، وهو أجمل وأروع حين تكون الصلاة في مسجد قرطبة كما هو اليوم، مسجد من التاريخ شاده مجد الإسلام وعظمة المسلمين وتوالت عليه الحادثات، فاحتملت عمده ملء القرون من المصائب، وملء التاريخ من الأحزان، ولم تخر. فهي صبر المحروب الأبي، وقرار المؤمن الصابر، على رغم الزمان وعلى رغم المكان.

فإن كان المصلي الخاشع في مسجد قرطبة اليوم هو محمد إقبال، فأي جلال وأي عبرة وأي شعر وأي فلسفة!

إن فلسفة إقبال الحية القوية، وإن شعره الجميل الرائع الذي يهدر بالحياة والعزة والجهاد، ويفيض بالأمل والعمل والإقدام ويبين عن المعالي في مقاصد الإسلام وفي تاريخ المسلمين، إن فلسفة إقبال وشعره - وهما عقل الإنسان وقلبه وحياته وجهاده - ليتمثلا لمن يعرف إقبالا في مرأى إقبال خاشعا يصلي في مسجد بني أمية الذي شادوه في الأندلس، وبقي حتى اليوم أسيرا في إسبانيا. تمنيت أني سمعت قراءة إقبال في هذا المسجد وتسبيحه، وتمنيت أن عرفت ما ثار في نفسه من الذكر والعبر والفلسفة والشعر حين دخل مسجد قرطبة، وحين سرح طرفه في أرجائه، وحين قرأ الآيات على جدره وحين صف للصلاة.

لقد ظفرت بإحدى هذه الأماني، عرفت ما اضطرب في نفسه من فكر وشعر في المسجد؛ عرفته من قصيدته «جامع قرطبة». إنها لصورة هذا المسجد والتاريخ الذي شيده، والأمة التي أنشأت هذا التاريخ في مرآة من الشعر. إن قصيدة إقبال في جامع قرطبة لو صورت بناء، وفسرت مآثر وحوادث، لكانت جامع قرطبة في عهد بني أمية في مجد الإسلام اللألاء، قد نظم هذا الجامع وهذا التاريخ وهذا المجد فإذا هو قصيدة إقبال الشاعر العظيم في جامع قرطبة.

الثلاثاء 21 جمادى الأولى/27 فبراير

من معالي الإسلام

زارني أمس رجل طيب صاحب مجلة تنشر باللغة الأردية، وهو من جماعة علماء الإسلام، وحدثني عن الانتخاب في ولاية بنجاب، فبين مكانة الرابطة الإسلامية والأحزاب الناشئة المنافسة لها. ثم خص بحديثه جماعة العلماء، قال: إنا نشترك في الانتخاب، ولكن لا نرشح أحدا بادئ بدء، فليس من سنن الإسلام أن يطلب الإنسان لنفسه ولاية. قلت: نعم، ومن قواعدنا: طالب الولاية لا يولى. قال: وكذلك لا يجوز لإنسان أن يزكي نفسه. قلت: وفي القرآن:

الشوارد · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٢٦