وكلما ذكت نفسه وخلصت من حدود المادة زاد عظما وسعة وبقاء حتى ليتصل بالله فيشعر أنه صلة الأزل بالأبد وأنه لا يفنى.
وهذا الإنسان الذي يعظم ويخلد ويصل إلى الله ويحاول تسخير ما في السموات والأرض، إن استكان للشهوات وهوى مع المادة؛ هبط إلى مستوى البهيمية. ولكنه بهيمة عاقلة، مدبرة كائدة فهي أقوى على الشر وأقدر على الضر، وقل ما شئت فيما تجني على الناس وتفسد في الأرض.
لا حد لرفعة الإنسان ولا حد لهويه، ولا نهاية لبره ولا نهاية لفجوره.
فليعمل المعلمون والمربون، وقادة الأمم وساسة الجماعات على أن ينبهوا الإنسان للمعالي، ويدعوه إلى السمو، ويحببوه إليه، ويدربوه عليه.
وليحذروا مقالات السوء، والقدوة المفسدة، ويذكروا أبدا أن الإنسان يعلو جاهدا ويهبط وادعا. فليحذروا ثم ليحذروا!
السبت 18 جمادى الأولى/24 فبراير
موت متصدقة
نعت الأنباء خيرة من خيرات المسلمين، مقرونا ذكرها بالدعاء في حياتها ومماتها. هي أميرة من أسرة ملكية، ولكنا كنا نسمع أخبارها في مشاعر الحج وفي مجامع البر وعلى ذكر الصدقات، ونرى برها على الوجوه والألسن في أمكنة كثيرة. كانت جارتنا في حلوان فكنا نرى الفقراء يتلقون برها كل يوم على طول السنة، وكنا لا نسمع عنها إلا الأحدوثة الجميلة، ولا نسمع عليها إلا الثناء والدعاء.
سيفتقدها كثير من الناس، ولكن أشد الناس افتقادا لها الفقراء، ومن يهتمون بالفقراء من الساعين في الخير.
لقد حد لوفاتها القصر الملكي في مصر وأمرت مصالح الحكومة بالحداد. ولكن هذا الحداد الرسمي ليس شيئا بجانب الحداد عليها في بيوت المساكين ومن يرحمون المساكين.
إنها كانت أميرة، ولكن إمارتها قد وهبتها إمارة أعظم وأبقى تعرفها القلوب ويعترف بها المساكين. إن الناس لا يقولون ماتت الأميرة بنت فلان وأخت فلان وحفيدة فلان، ولكن يقولون: رحمها الله لقد كانت خيرة بارة متصدقة مصلية متعبدة حجاجة.
ما أجمل الخير! وهو في النساء أجمل؛ إنه جمال الخلق إلى جمال الخلقة. ما أعظم البر! ولكنه في الكبراء والأمراء أعظم؛ لم تحجب ضوضاء الدنيا وزخرفها أعينهم عن الحقائق، ولم تفتن قلوبهم عن الرحمة. وما أحسن الصدقات! ولكنها من الدين التقي أحسن؛ إذ كانت لونا ملائما لألوانه، ونغمة متصلة بنغمات كلها جميل مطرب.
لا يذهب العرف بين الله والناس، ولا تموت ذكرى الخير ولا يبلى البر. لعل خيراتها تتصل بعد موتها بمن واستهم في حياتها! وما أظن القلب الذي ذكر الله وعباده هذه السنين الطويلة ينسى عياله.
سيفقد الناس أميرة طيبة، وسيفقد الفقراء يدا راحمة وقلبا رءوفا، وسيفقد أهل حلوان سيدة مؤمنة كانت خيرة، كانت جمالا لبلدهم يعرفونه ولا يرونه، ويبصرون آثاره على المساكين ولا يحسون له ضوضاء ولا ركزا.
وسيبقى في حلوان عبق من الثناء الجميل والذكرى الطيبة، بل أحسب برها لن ينقطع، وقديما قال الشاعر:
فتى عيش في معروفه بعد موته
كما كان بعد السيل مجراه ممرعا
الأحد 19 جمادى الأولى/25 فبراير
المال أمانة
لا أقول للموظفين كونوا كما كان عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز في التصرف بمال الدولة، أو مال الأمة، ولكن أدعو إلى أن يكون حرص الموظف على ما في يده من مال ومتاع كحرصه على مال نفسه، يصونه جهده، ويقتصد فيه، غير ناس أنه يستطيع أن يسرف في ماله أو يهمل رعايته ولا يجوز له هذا في مال الأمة، فهو أمانة في يده وليس للأمين إسراف أو إهمال.
رأيت من الموظفين من يكتب أسطرا قليلا في ورقة كبيرة، أو يستعمل ورق الكتابة لفافة، أو يأخذ منه لنفسه ليكتب فيه ما لا صلة له بعمله في الحكومة.
ورأيت من يؤذن له باشتراء أثاث في مصلحة من المصالح فيشتري شيئا بمائة مبالغا في التجمل وملتمسا الأبهة، وهو يستطيع أن يشتري بخمسين ما يغني غناء هذا الشيء، ولكنه يشتري الأبهة لنفسه من مال غيره.