والذل الذي لا يرجى برؤه، ولا يؤمل محوه، هو ذل النفوس التي ترضى الذل وتسكن إليه، وتعيش عليه، ولا تشمئز منه، ولا تستنكف عنه، بل لا تشعر به ولا تحس ألمه. وأعوذ بالله من أن يكون الإنسان كما قال أبو الطيب:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
ذل من يغبط الذليل بعيش
رب عيش أخف منه الحمام
الإنسان بفطرته نفور من الذل، آب على الحيف؛ ولكن تحيط بالناس أحوال، وتتوالى عليهم حادثات، فيراضون على الخضوع حينا بعد حين، ويسكنون إلى الخنوع حالا بعد حال حتى يدربوا عليه كما يستأنس السبع، ويؤلف الوحش. ولكن يبقى في النفس ذرات من الكرامة وفي الدماء شذرات من الجمر، فإذا دعا الداعي إلى العزة، وأذن بالحرية، وأيقظ الوجدان النائم، وحرك الشعور الهاجد، نبضت الكرامة في النفس، وبصت الجمرة في الرماد، وأفاقت في الإنسان إنسانيته، فأبى وجاهد، ورأى كل ما يلقى أهون من العبودية وأحسن من هذه البهيمية.
كل ذل يصيب الإنسان من غيره، ويناله من ظاهره، قريب شفاؤه، ويسير إزالته. فإذا نبع الذل من النفس، وانبثق من القلب؛ فهو الداء الدوي والموت الخفي.
ولذلك عمد الطغاة المستعبدون إلى أن يشربوا الناس الذل بالتعليم الذليل والتأديب المهين، وتنشئة الناشئة عليه بوسائل شتى؛ ليميتوا الهمة، ويخمدوا الحمية، فإذا الناس سوام، وإذا بيدهم العصا والزمام.
الخميس 16 جمادى الأولى/22 فبراير
الأمة التي تقف بإرادتها تسير بإرادتها
حدثني أصحاب لي في سير الأمم ووقوفها، وإقدامها وإحجامها، وإسراعها وإبطائها، وسبقها وتخلفها، وقال قائل منهم: إن شكوانا من جماعة منا، يصدوننا أحيانا عن الإقدام، ويخذلون الناس حين يتأهبون للمضي. قلت: ليس كل حركة بركة، ولا كل إقدام إحكام، ولا كل مضي إلى الخير.
ولست أكره أن يكون في الأمة ناهون عن السير، كما لا أكره أن يكون فيها داعون إلى السير، فلا بد للناس من أمر ونهي، ومن تبشير وإنذار، ومن دعوة إلى الإقدام وأخرى إلى الإحجام.
وإنما ملاك هذا كله وقوامه أن نحيط قادة الأمة بالأمور علما وخبرا، ويقدروا كل شيء قدره وأن يخلصوا الفكر والعمل لأمتهم، وأن يدعوا حين يدعون لا يبغون لأنفسهم نفعا إلا نفعا تشترك فيه الأمة كلها.
فإن كانوا كذلك فدعوة الإقدام منهم جديرة بالإجابة، ودعوة الإحجام حرية أن تجاب.
لا يضير أمة تعمل على علم وهدى وإخلاص أن تقف حينا للتروي والتثبت، بل يضيرها ألا تقف هذا الحين. وكثير من الأمم لا تملك أن تقف لتنظر فتوقن. وعيب الأمة في إقدامها على غير بينة كعيبها في إحجامها وقد تبين لها الإقدام.
ومرد هذا الأمر إلى أن تكون الأمة رشيدة مريدة تقف بمشيئتها وتسير بمشيئتها، لا مسيرة بعصا السادة، أو بهوى قاهر أو بشهوة ثائرة، أو جهل بما أمامها، ولا واقفة ضعفا أو عجزا أو جهلا أو تبلدا.
فلا تحزننك الدعوة إلى الوقوف والإحجام والتلبث، ولا يسخطنك الوقوف والأمة رشيدة والدعاة عاملون مخلصون.
فإن أمة تقف بإرادتها حرية أن تسير بإرادتها.
الجمعة 17 جمادى الأولى/23 فبراير
عظمة الإنسان
انظر ماذا يعمل الإنسان في هذا العالم، ينظر فيفكر فيعمل ويصنع، وهو دائب النظر والفكر والعمل والصنعة ليل نهار، على مر العصور واختلاف الأحوال.
يخطئ ويصيب حتى يتبين الحقيقة، ويرفق ويخرق حتى يستقيم على الطريقة. طموح إلى السماء وما وراء السماء، سياح في البر والبحر، بحاث فيما تحت الثرى، غواص إلى قيعان البحار، ضاقت الصحراء عنه والدأماء، فركب الهواء وطار في الجواء.
كل يوم يحدث فكرا، ويجد علما، ويهتدي إلى طريقة، ويبتكر صناعة، دائم السفر لا يقف على منزل ولا ينتهي إلى غاية.
إن هذا الإنسان الضعيف الضئيل بجسمه، قوي عظيم بروحه، بل هو لا يحد ولا ينتهي، ولا يحب الحد والنهاية.