التيسير والتعسير
العسر واليسر في الخليقة حزنها وسهلها، وجبلها وصحرائها، وبرها وبحرها وفي أمور الحياة عظيمها وحقيرها، وبعيدها وقريبها ... وهلم جرا، ولكن أكثر ما يكون العسر واليسر في نفس الإنسان.
ففي الناس نفوس عسيرة كزة، خشنة ضيقة، تعدي بعسرها كل ما يتصل بها، يعنتك طالبا أو مطلوبا، وسائلا أو مسئولا، ومعلما أو متعلما، وآخذا أو معطيا، إن طالبته تجده سمحا سهلا، وإن طلبك وجدته شديدا عنيفا، وإن سألته في علم عقد محلوله وصعب سهله، وعسر يسيره، وإن سألك ألحف في المسألة ولقي كل كلمة بمشكلة، وكل جواب بسؤال، وإن استغثت به خيب رجاءك، أو كدر صفاءك كالذي قال فيه الشاعر:
رافعا كفه ليرى فما
أحسبه جاءني بغير اللطام
والذي قال فيه آخر:
ووجه ليس يعرف من عبوس
بأوجههم أوعد أم وعيد؟
القريب عنده بعيد، والهين لديه صعب، واللين شديد. ومن الناس من تلقى منه وجها طليقا، ولفظا رقيقا، ويسر السؤال، ولطف الإجابة، لا تستنجده في ملمة إلا حل عقدتها، وخفف كربتها، ولا تسأله في مشكلة إلا ردها واضحة المسالك، نيرة الجوانب، ولا تسأله عونا من مال أو عمل إلا بذل الكثير مستقلا، وعمل الصعب مستسهلا. من الذين وصفهم الحديث النبوي بأنهم: الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون.
وكثيرا ما ترى هؤلاء الغلاظ الشداد، المتجهمين المعسرين، تلين جوانبهم، وتسهل خلائقهم، إذا أزمتهم التجارب، وعضتهم المحن، فلا يصبرون لها ولا يثبتون ولا يشتد بأسهم ولا يخشنون.
وكثيرا ما ترى اللين الهين السمح الكريم، شديد المراس، قوي البأس، خشن الملمس، حزن الجانب، إن سيم هوانا، أو كلف دنية أو عركته النائبات، وجدته الحادثات، كما يقول أبو الطيب:
كرم خشن الجوانب فيهم
فهو كالماء في السيوف الرقاق
الثلاثاء 14 جمادى الأولى/20 فبراير
الأدب بين العرب
للعرب منذ عصر الجاهلية ولوع بالكلام البليغ المأثور من نثر وشعر، وبهذا الكلام كانوا يؤدبون أولادهم، وينشئونهم على ما فيه من مكارم الأخلاق.
ومن أجل هذا سمي هذا الكلام المأثور أدبا، وهذه السنة العربية دامت على تقلب الزمان، وتغير الحدثان حتى يومنا هذا، على تغير فيها، وقلة في العناية بها.
عرفت اثنين من الأعيان في طرابلس الغرب، لقيتهما في إسطنبول فكانا ينشدان بين الحين والحين من المعلقات، ويسأل أحدهما الآخر عما نسيه منها. وهكذا نجد في البلاد العربية هذا الكلف بقراءة الأدب وحفظه. ولا تتسع هذه الصفحة للقول في شيوع الشعر في بادية العرب في كل العصور، وأنه حتى اليوم على ألسنة الشعراء وغير الشعراء فيهم، وأنك تجد في كل قبيلة جماعة تنطقهم الحادثات بالشعر وليسوا معدودين في شعرائها.
لقيت منذ أيام قليلة عربيا من بيوت الإمارة في شرقي الجزيرة وتحدثنا في دار أحد الوزراء العرب المفوضين في كراچي، فكان يتمثل في كثير من كلامه بشعر لكبار شعراء العرب، فأنشد قول الأرجاني:
سيرى إليكم في الحقيقة والذي
تجدونه مني فسير الدهر بي
وأنشد لغيره. وأفضى الحديث إلى ذكر شعراء الجزيرة العربية المعاصرين الذين ينظمون بلغة العامة فروى قصيدة لشاعر اسمه: محمد العوني من القصيم، منها:
تقولون: الأيام فينا تغيرت؟
تغيرتم أنتم ما تغير مرورها
الأيام هي الأيام في حد عدها
هذي لياليها وهذي شهورها
وهكذا روى من الشعر القديم والحديث، وأبان عن اتصال سنن العرب في إنشاد الشعر وروايته وحفظه والتمثل به في المجامع والحوادث.
الأربعاء 15 جمادى الأولى/21 فبراير
ذل الرضا
الإنسان بخير ما أنف من الذل وثار به وتمرد عليه، وهو كذلك بخير إن صبر عليه ساخطا، وسكت عنه محنقا، يلتمس الوسيلة إلى الخلاص منه، ويبغي العدة للخروج عليه.
والناس في النفور من الذل والإباء على الضيم، والاستكبار على الهوان، درجات مختلفة، وهمم متفاوتة، ولكنهم أحياء، وآية حياتهم الغضب لكرامتهم، والتذمر لإنسانيتهم.