تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأرى أن نجاح المؤتمر في دعوته رهن بلجنة من الكبراء أولي الرأي تتولى إنفاذ ما قرر المؤتمر. وأرى أن تعمل جاهدة حتى تنجح في إنفاذ قرار واحد مهم، فسيلد هذا النجاح في الأمر الواحد نجاحا في أمور كثيرة، ولا شيء يؤدي إلى النجاح مثل النجاح، ولا شيء يؤدي إلى الخيبة مثل الخيبة. فإن بدأت اللجنة المنفذة بأقرب الأمور إلى النجاح وأبعدها عن مشاكل السياسة فجعلته مثلا لنجاح المؤتمر، فنجاحها في الأمور الأخرى قريب، وإلا فكم اجتمعنا وتفرقنا لنجتمع فنتفرق!

السبت 11 جمادى الأولى/17 فبراير

العصبيات

رأيت في المؤتمر الإسلامي وفودا يجمعهم الإسلام ويأتمرون بخير المسلمين كافة، ورأيت في بعضهم عصبيات كأنهم جاءوا ليتكلموا عن أممهم، لا ليشاركوا المسلمين في أمور جامعة، جديرة بأن تنبذ فيها العصبيات. ولكن المقصد الذي اجتمعت له الوفود الإسلامية لا يدرك إلا باجتياز ضيق العصبيات إلى سعة الأخوة الإسلامية التي تؤلف بينهم. وقد تكلمت مرة فقلت: إن النائب في أمة ينتخبه بلده أو محله، فإذا دخل مجلس النواب كان ممثلا الأمة كلها، لا البلد الذي انتخبه. فكل وفد إسلامي في المؤتمر لا يمثل أمته وحدها ولكن العالم الإسلامي.

إن محو العصبيات من الأنفس متعسر أو متعذر؛ فينبغي أن يؤلف الإنسان بين العصبيات المختلفة فيكون لكل موضعه وزمانه، فلا تصادم عصبية أخرى أو تطغى عليها، فهو يستطيع أن يؤلف بين عصبيته لأسرته وعصبيته لقريته ثم إقليمه ثم وطنه العام ثم جنسه ثم ما هو أوسع من الجنس. وهذا لا يكون إلا بأن ينتصر للحق فلا تغلبه العصبية في نفسه، ثم بأن يقدر الصلات المختلفة قدرها فيضع كلا موضعها، ويجعل لها أمورها الخاصة. والإنسان تضعف عصبيته على قدر سعة علمه وخلقه، وبصره بالحقائق وتحيزه للحق. ولا يزال الإنسان عبد العصبيات تثيره وتسخره وتسيره، أكثر مما يسيره العقل والحق والخير، إلا قليلا. وقد رأيت العصبيات تطغى بوحدان وجماعات حتى تغشى العقول والأسماع والأبصار، وحتى يفتخر الواحد بماض قديم ويعتز بأمته ويرفعها على الناس جميعا، وليس لقومه ماض إلا الجهالة والفوضى، ولكنها العصبيات التي تفرق وتعمي وتصم وتحيد بصاحبها عن سواء الصراط.

الأحد 12 جمادى الأولى/18 فبراير

إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا

يقول إقبال في «رسالة المشرق»:

وأرى الحبة تحت الترب من قبل نبات

ذات أصل وفروع وثمار يانعات

وأرى الأطواد ريشا في رياح قلقات

وأرى الريش ثباتا كجبال راسخات

يعني أن الحكيم البصير بسنن الكائنات، المحرر من حجاب الواقع وقيد الحاضر يرى المستقبل الذي ينبغي أن يكون، كائنا، ويرى البعيد قريبا، ويرى ممكنا ما يحسبه الناس مستحيلا، ويكاد يبصر الحادثات المقبلة، كما يبصر الحادثات الحاضرة، وكما أبصر الحادثات الماضية. وهذا فرق ما بين صاحب الفكر الثاقب، والعزم الماضي والنفس الأبية الذي لا يقهره الزمان ولا يقيده، وبين الذي تغبى عليه العواقب أو يراها ويعيا دونها، ولا يستطيع الانطلاق من قيد الزمان وعرف الناس.

ذكرت هذا حين تأملت في باكستان كيف نشأت: كان بعض الناس يحسبون قيام دولة للمسلمين في الهند محالا، وبعضهم يعده أمرا عضالا، ومنهم من يحسبه عسيرا، وكان من مسلمي الهند من يدعو إليه، ولا دعوة محمد إقبال الفيلسوف الشاعر الهمام، الذي يدعو إلى التحرر من الحادثات، وإلى الهزء بالمشقات، وإلى تسخير الكائنات، يكاد لا يرى في الأرض مستحيلا، ويكاد يجعل الإنسان على الأرض خلاقا. يقول: إن الحر على القضاء مشير، وإنه يبلغ به الأمر أن يسأله الخلاق ماذا تريد، وأن يقول له: إن لم يرضك هذا العالم فاهدمه.

إن الاستحالة والإمكان في أنظار الناس وعزائمهم أكثر مما هما في عالم الماديات ودنيا الحادثات.

الإثنين 13 جمادى الأولى/19 فبراير

الشوارد · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٢٢