تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يترخص بعض الناس في التأخر عن مواعيده قليلا، وفي تأخير الأعمال عن مواقيتها بعض التأخير، ونحسب هذا هينا، ومن يفكر يعلم أن أكثر الخلل في أعمالنا من هذا التأخر القليل. إن من الفروق الكبيرة بين الأمم تأدية الأعمال في أوقاتها، والعجز عن أداء العمل في وقته خلل وعلامة على خلل آخر؛ يخل بالعمل بتأديته في غير وقته الملائم له الذي استوفى شرائط أدائه. وقل أن يكمل العمل المؤدى بعد وقته؛ بل لا يؤدى العمل بعد وقته ولكن يقضى كما يقول الفقهاء. وهو علامة على خلل نفسي؛ هو عجز النفس عن إنفاذ ما تشاء حين تشاء وضعف العزم عن الإقدام والإمضاء.

ثم تأخير عمل عن وقته لا يخل بهذا العمل وحده، ولكنه يؤدي إلى سلسلة متصلة من الخلل، فالعمل الذي يؤخر عن حينه يجور على عمل آخر فيؤخره، وهكذا حتى تكاد تتأخر أعمال الإنسان كلها عن أوقاتها. والله سبحانه خلق للعالم نظاما محكما، وأعمالا موقوتة، لا تخلف فيها ولا تأخر، فكل إخلال بالنظام في العمل وتوقيته شذوذ في هذا النظام العام؛ حري أن يؤدي إلى الإخفاق قريبا أو بعيدا.

الخميس 9 جمادى الأولى/15 فبراير

أمس الدابر لا يعود

كان ينبغي أن أكتب هذه الصفحة في وقتها يوم الجمعة، ونظرت يوم السبت فإذا هي بيضاء ولكنه بياض لا بياض له، هو أشد سوادا من الظلم، كما قال أبو الطيب.

قلت لنفسي: لماذا لم تكتبها في وقتها؟ قالت: المرض الذي لا ينشط له قلم، وشواغل في أوقات النشاط القليلة إن كان للمريض نشاط. قلت: سواء أقام عذرك بذنبك أم لم يقم، قد كان ما كان ومضى أمس وصفحته بيضاء، وإن اجتمعت الإنس والجن على أن يكتبوا هذه الصفحة في وقتها لم يستطيعوا، فانظري هذا اليسير القريب كيف صار مستحيلا! انظري قد انقلب ما كان في قدرتك معجزا كل قدرة. إن هذا الماضي الذي لا يقدر عليه أحد، كان حاضرا يتصرف فيه كل واحد وإن في هذا لعبرة، إن الإنسان يتمنى أمورا لا ينالها، ويرى السعادة الكبرى أحيانا في أن ينال أمانيه، فليؤد عمله في وقته وليذكر أنه أمنية بعيدة حين تفوته، وليقدر أن المستحيل واتاه فتمكن مما فاته، وليغتبط بهذا ليغتبط بتأدية الممكن قبل أن يستحيل، وليجعل كل ما فات في أمسه عبرة لغده، وليقارب ما استطاع.

إن الإنسان يضعف ويعجز وليس بمستطيع أن يبلغ كل ما يريد ويفعل كل ما يشاء، فليعمل جهده وليستعن الله وليحرص على ألا يفوته عمل في وقته وأن يتدارك ما يفوته في أول أوقات الاستطاعة، فإن وفق فليغتبط بالتوفيق.

إن الإنسان ليعد كل حين أمورا فاتته، وكان يستطيع أن يدركها، وإنها لحسرة أو خيبة وخسران، فليعود نفسه استقبال الأوقات لا استدبارها، وأداء الأعمال في أوقاتها حتى يعتاده وينبسط له ويسعد به.

الجمعة 10 جمادى الأولى/16 فبراير

المؤتمر الإسلامي

اجتمع يوم الجمعة الماضي المؤتمر الإسلامي في مدينة كراچي وقد جاءت إليه وفود المسلمين من كل أقطارهم، واستمعت إلى كلام قيم في مجامع المؤتمر العامة والخاصة، وسمعت صرخات المكلومين من الأقطار الإسلامية التي لا تزال تجادل عن نفسها وتجاهد لحريتها كأهل المغرب وتركستان، ورأيت من أمارات الأخوة الإسلامية والتعارف والتعاطف ما نفى كل ريبة في متانة الأواصر التي تجمع المسلمين. وقد رأى بعض الوفود ألا يشغل المؤتمر نفسه بالأمور السياسية فلم يستطع أحد أن يمنع هؤلاء الجرحى من الأنين والشكوى، ولم يكن من العدل والرحمة ألا يواسوا بكلمة من المؤتمر يصبرون بها في البلاء ويثبتون في اللأواء. فقرر المؤتمر أن يعمل المسلمون جميعا لتحرير من لا يزال في الأسر منهم، ثم خص كل بلد إسلامي في سيطرة الأجانب بكلمة.

والذي أخشاه ألا ينفذ المسلمون وصايا المؤتمر كما ينبغي أن تنفذ؛ لأن الدول الإسلامية لم تشارك فيه، ولأن معظم البلاد الإسلامية ليس فيها من الجماعات ذات النظم المحكمة والقوة والثراء ما يجعل المسلمين يستقلون بهذه الأعباء دون عون الحكومات.

الشوارد · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٢١