لقد تقطعت الصلات بين المسلمين فإذا المسلمان يلتقيان في بلد إسلامي، بل في مكة والمدينة فيتخاطبان بالإنكليزية أو لغة أوروبية أو يعجزان عن التخاطب. فما أحوجهم إلى لغة عامة، إلى لغاتهم الخاصة، وما أحرى العربية أن تكون هذه اللغة!
الإثنين 6 جمادى الأولى/12 فبراير
أخوة مجسمة
لقيت في المؤتمر الإسلامي الذي يجتمع في كراچي هذا الأسبوع شيخا هرما، كبير العمامة، أبيض اللحية، اسمه الشيخ عبد الله رشيد.
قال إن أصله حجازي، وقد ساح في الهند وبلاد أخر، واستقر به المقام في جزيرة موريس من جزر المحيط الهندي، وهو إمام المسلمين هناك يعلمهم الدين واللغة العربية.
وهو يعرف العربية والفارسية والأردية والإنكليزية، ولعله يعرف لغات أخرى. قام الشيخ يتكلم في المؤتمر بالعربية ويذكر مصر ويشيد بفضلها على بلاد المسلمين.
قلت: رجل حجازي يقيم في جزيرة قاصية في المحيط الهندي ويقوم خطيبا بالعربية في مدينة كراچي فيتكلم عن مصر، إنه الأخوة الإسلامية المجسمة! وقلت: إنه بقية السلف، وذكرى التاريخ. كان آباؤنا على بعد الشقة، وصعوبة السفر، وبطء المطايا والسفن، يسيحون في البلاد لا يبالون باغتراب، ولا يعبئون بمشقة. تتداولهم البلاد، ويسلمهم صقع إلى صقع، فإذا الحجازي في أقصى الشرق أو أقصى الغرب، وإذا المغربي - كابن بطوطة - في الصين، وإذا البغدادي - كأبي علي القالي - في قرطبة.
وكان المسلمون أكثر تخالطا وتعارفا وتواصلا مما هم اليوم وقد طويت المسافات، واتصلت الأفكار بالبرق والهاتف والمذياع، وصار ما بين القاهرة وبغداد ثلاث ساعات، وما بين النيل والسند ثماني ساعات.
إن هذا أمر جدير بإنعام النظر، وإمعان الفكر. وإن الشيخ رشيد لحجة في الأمر قاطعة، وما أحسبه إلا مثلا من آبائنا الأولين.
الثلاثاء 7 جمادى الأولى/13 فبراير
ماذا تغني القوانين في أمة لا تطيعها
كثرة القوانين، وزيادتها بين حين وحين لا يدلان على صلاح الجماعة، وربما يعدان من علامات فسادها.
خير الأمم ما قامت فيها المعرفة مقام القانون، حسبها أن تعلم أن هذا خير وذاك شر، وهذا عدل وذاك جور، وهذا حق وذاك باطل، وأن هذا صلاح وذلك فساد.
جمع تاريخنا فتاوى كثيرة في بلاد مختلفة وأزمان متطاولة، وليست الفتاوى إلا إجابة لسؤال الناس عن الأحكام دون ترافع إلى القضاء، لا يحتاجون إلى من يقضي عليهم باتباع القانون؛ بل يريدون أن يعرفوا القانون لينفذوه هم طوعا ورضا واحتسابا واقترابا.
فإن فسدت الأمة واعتلت، كانت القوانين فيها أدوية ظاهرة لداء باطن، وأضمدة على دماميل يمدها الجسم العليل كل حين، وتلقت الأمة القوانين كارهة، وعملت للخلاص منها جاهدة، وحسبتها قيدا كريها وسجنا بغيضا، وضاعفت الحكومة قوانينها، وزادت في صرامتها، وراقبت الجماعة شرطتها، ليلا ونهارا وسرا وعلانية، والجماعة في فسادها ماضية والقوانين غير مجدية.
إن القوانين الصالحة ما تنبع من النفوس، فيتلقاها الناس بالقبول والطاعة، فكل إنسان لها ناصر، وعليها ساهر، وإلى طاعتها مسارع، إن أنصف الناس استراح القاضي.
نرى أمما إذا اجتمع فيها جماعة نظمتهم المعرفة والطاعة، فأخذ كل مكانه وأنفذ كل واجبه، فتجتمع الآلاف على نظام وتفترق على وئام. وأمم لا يجتمع منها قليل أو كثير إلا ثار بينهم الخلاف والضوضاء ولم يكن لهم بد من قانون وشرطة، وقلما يجدي القانون والشرطة في جماعة لا تطيع القانون راضية.
لا تصلح الأنفس عن غيها
ما لم يكن منها لها زاجر
الأربعاء 8 جمادى الأولى/14 فبراير
ما نحقر من أعمالنا
روي أن رسول الله صلوات الله عليه وسلامه قال في خطبة الوداع: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
هذه الأعمال التي نحقرها هي موضع الزلل ومداخل الخلل، هي خدع الشيطان، ليس في الحياة عمل حقير، إن بعض ما نحسه حقيرا هو في الحق عظيم، وبعضه ليس عظيما في نفسه ولكنه موصول بالأعمال العظيمة. أعمالنا كبناء عال فيه عمد وقباب وأركان وغيرها، وبعض هذه ينهد البناء بزوالها أو يكاد، وبعضها يؤدي الخلل فيه إلى خلل ظاهر أو خفي في البناء الشامخ، وليس في البناء حجر واحد لا يحتاج إليه.