نرى أمما تدرك عقولها فتأمل فتعمل فتبلغ، فإذا الآمال حقائق، وإذا الفكر عمل. ومن الأمم من تقصر عقولها عن إدراك العيش الأرغد، والوجه الأصلح، والنظام الأكمل في الحياة، فهي في قيد الحاضر وأسر الواقع، ومنها ما تدرك الأحوال، وتأمل الآمال فلا تستطيع أن تخط الخطط إلى ما أدركت، ومنها ما تخط الخطط فلا تجمع لها من العزم والدأب والصبر ونشاط الأيدي وتعاونها ما يسير بها إلى آمالها، ويبلغ بها غاياتها.
وكذلكم الوحدان في الأمة الواحدة يختلفون هذا الاختلاف ويتفاوتون هذا التفاوت.
والكلام والعمل ينال كل منهما من صاحبه، فمن طال كلامه من الأمم والآحاد قصر عمله، ومن طال عمله قل كلامه. ما أحسن بلاغة القول تصحبها بلاغة العمل! سئل أعرابي: ما البلاغة؟ قال حذف الفضول وإصابة المعنى. فمن حذف فضول القول وأصاب المعنى، فهو حري أن يحذف فضول العمل ويصيب القصد. والإنسان الثرثار كالريح الهوجاء تثير غبارا وحصى، ولا تهدي إلى غاية، ولا تسير إلى مقصد.
السبت 4 جمادى الأولى/10 فبراير
بين مصر وباكستان
احتفلنا اليوم بذكرى ميلاد جلالة الملك. وكنا دعونا فيمن دعونا حاكم باكستان العام ناظم الدين ورئيس الوزراء لياقت علي خان، واتفقنا أن يتكلم الحاكم إجابة لكلامي، فأرسلت كلمتي قبل الاحتفال فكتب الحاكم جوابها. وتكلمنا في الجمع على خطة معروفة. وقد أعجبني وسرني أن الحاكم أجاب كلمتي بأضعاف ما فيها من شعور الأخوة الإسلامية، والدعوة إلى التعاون بين مصر وباكستان، فكان كلامه بيانا لكلامي، واستجابة مؤكدة لشعوري، وأخذا بأحسن ما في الآية:
وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها .
والحق أن مصر وباكستان دعامتا الإسلام في هذا العصر، مصر بمكانها ومكانتها وتاريخها وحاضرها، وأنها من العرب كالأخ الأكبر، وباكستان بمكانها كذلك وعددها ووصلها بين المسلمين في الوسط والمسلمين في أقصى الشرق، وبأنها دولة قامت للمسلمين بالإسلام، تبغي أن تعيش به وتحقق مقاصده وتمضي على سنته.
إن تعاونت باكستان ومصر لم تبعد البلاد العربية عن هذا التعاون، ولم تنأ عنه إندونيسيا، ولم تجد إيران والأفغان في وسط هذا التعاون منه بدا. فهذه دول الإسلام إلا تركيا، وربما تضطرها الحادثات إلى أن تمد لهذا التعاون يدها.
أرى أن سيرة الدول الإسلامية في الأمور السياسية والاجتماعية يوجهها اتفاق مصر وباكستان، فإن تعاونتا على السيرة الوسطى والطريقة المثلى، فعرفتا العالم سعة الإسلام وسماحته، وحبه التعلم والتقدم، ودعوته إلى أخوة الناس؛ تبعتهما البلاد الإسلامية الأخرى وصار للمسلمين في هذا العالم علم وعمل، وفي قضايا البشر فكر ورأي، وكلمة بين الأمم مسموعة وراية للخير مرفوعة.
الأحد 5 جمادى الأولى/11 فبراير
اللغة العربية
اللغة العربية، غنية بمفرداتها، واسعة بمركباتها، طيعة بصرفها، مبينة بنحوها.
وقد قدر لها أن تحوي بلاغة القرآن، وتشمل شريعة الإسلام، وتساير حضارته، وتضطلع بعلومه وآدابه.
واتخذها المسلمون العرب والعجم، لغة علم وأدب دهرا طويلا، ثم انحسر عبابها عن غير البلاد العربية، وبقيت غدرانها ورياضها، كما كان بعد السيل مجراه مرتعا.
فقد اشتملت لغات المسلمين على كثير من ألفاظ العربية ومجازاتها مكسوة بألفاظ غير عربية، وما زالت العربية تمد هذه اللغات على مر العصور حتى يومنا هذا باصطلاحات العلوم والآداب.
ولم ينقطع التأليف فيها على العلات، وعلى اختلاف الحالات في الأقطار الإسلامية.
وإن العربية لحرية أن تكون صلة الحضارة الإسلامية ووسيلة التعارف والتعاون بين المسلمين.
ينبغي أن يكون أولو العلم في كل أمة إسلامية عارفين العربية قادرين على القراءة فيها والتكلم بها، فإذا التقى مسلمان مثقفان من بلدين مختلفين استطاعا أن يتحدثا بالعربية أو يتعارفا بها.