الأربعاء 1 جمادى الأولى/7 فبراير
ملك الدول وملك الآحاد
يحرم الشيوعيون الملك؛ ملك الآحاد، لا يملك أحد أرضا ولا دارا ولا حيوانا ولا مالا عينا، وإنما الملك للدولة. وحجتهم في هذا التسوية بين الناس ... إلى حجج أخر.
ولكنهم لا يحترمون، فيما تؤذن به أعمالهم، ملك دولة ولا أمة، فلا حرج على الروس مثلا أن يسيطروا على أمم ودول في آسيا وأوروبا ويتصرفوا في أمورها، ويستغلوا أرضها ومعادنها وكل ما يطوع للاستغلال.
أمة الروس تملك أرضها، وتملك أمة الترك في تركستان، فلماذا تملكها حرثها ونسلها والملك عندهم محرم؟ يدعون أنهم حرروا الآحاد من عبودية الآحاد فرفعوا عن الفلاحين والعاملين إصر أصحاب الأرض وأصحاب المال، فهل يدعون أنهم حرروا الأمم من عبودية الأمم، أو أزاحوا عن الدول استرقاق الدول؟
إن ادعوا هذا فما خطب أمم لا تملك من أمرها شيئا، ويملك الروس فيها الأمر كله؟
وملكهم أفظع ملك، ورقهم أشنع رق. ألا ترى الأمم التي ابتليت بسيطرة المستغلين تجادل عن نفسها، منها من تحرر ومنها من يطلب الحرية ويجاهد فيها؟ ولكن الذين شقوا بتسلط الروس لا تسمع لهم شكوى، ولا تحس لهم ركزا، فليس لهم في مسامع الأمم شكوى، ولا في مجامع الدول قضية! كل الأمم التي عبدتها أمم أخرى جاهدت فخلصت وهي تجاهد لتخلص، والناس يرون ويسمعون جهادهم وصياحهم وأنينهم. ولكن صرعى الروس لا يسمع أحد شكواهم ولا يرق لبلواهم؛ لأن الأرض ضربت عليهم بالأسداد، فحيل بينهم وبين العباد.
الخميس 2 جمادى الأولى/8 فبراير
لا يتسع وقتنا للكلام القصير
شهدت الجلسة الأولى للمؤتمر الإسلامي في كراچي، وتكلم متكلمون فأطنبوا، ولم يكن بد من أن يتكلم كثير من الوفود، ولم يكن من الإطالة مناص، ولكن بعض من تكلموا بلغت بهم الأثرة أن أطالوا في غير ضرورة وقد أمروا بالإيجاز ليتسع الوقت لغيرهم.
وكان بجانبي شاب من سفارة أوروبية، فلما طال الوقت قلت له: المتكلمون كثير والكلام طويل. قال: إن بعض الكبراء قال: لا يتسع وقتنا للكلام القصير. فوقعت الكلمة من نفسي موقع القبول والدهشة، وعددتها غنيمة من الحكمة التي يلتمسها الإنسان فلا يظفر بها إلا قليلا. فسرت هذا الكلام بأن الكلام الموجز المرتب يحتاج إلى تفكير وترتيب، والكلام الطويل المضطرب لا يحوج صاحبه إلى التروي وإمعان النظر؛ بل هو نتيجة ترك التروي، ينثر الكلام لا يضبطه فكر، كالحب الذي لا ينظمه سلك. وقد لقيت بهذه الكلمة بعض أصحابنا فقال أحدهم: يقال في اللغة التركية: يچنون أوزون سويليور سكز؟ قيصه سويلمكه وقتم بوقدر . وهو معنى الكلمة السابقة، وترجمته: - لماذا تتكلم طويلا؟ - لا وقت عندي للكلام القصير.
وهذا حق عند التأمل، ولو قيل: إننا نتكلم كثيرا؛ لأنا لا نقدر الوقت حق قدره ولا نبالي بإمضائه فيما لا يجدي لم يكن بعيدا من الصواب. والحق أن تطويل الكلام يدل على أمور: أنا لا نفكر في كلامنا فنزنه فنحذف منه الفضول، وأنا لا نبالي بالوقت، وأنا لا نتجنب العبث، وأنا لا نشفق على السامعين؛ فتدفعنا الأثرة إلى أن نتكلم وإن شق الكلام عليهم، ومعنى هذا أنا لا نشفق على أنفسنا أيضا ولا نضن بها أن تقوم مقاما تبوء بمذمته وخسارته.
الجمعة 3 جمادى الأولى/9 فبراير
طول الكلام وقصر العمل
أشكو إلى الله طول الكلام وقصر العمل، وأشكو إليه تفاوت القول والفعل، وأشكو إليه تخلف الأعمال عن الآمال.
في الناس من يأمل فيقول فيعمل، فإذا قوله كفاء أمله، وإذا عمله كفاء قوله، وإذا كل أقواله وأفعاله تأتلف ائتلاف النظم، لا تفاوت بينها ولا خلل فيها.
ومنهم من عيشه آمال، وشغله أماني يعجز عن إدراكها فكره أو تقعد عن السعي لها همته، أو يتخلف عن السير إليها عزمه، أو ينفذ دونها صبره ...
يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون .