كما عرفنا التسوية بين الناس في الدماء والأموال؛ فقضينا بقتل الحر قصاصا بقتل العبد، وقتل المسلم جزاء بقتل غير المسلم. وكبر عقلنا وعدلنا أن نفرق بين الألوان فلم يدر بخلدنا قط أن نقول: يقتل الأبيض بالأسود؛ إذ كان الأمر أبين من أن يقال، وكان القول فيه لا يعد إلا هزلا وعبثا.
فما بال الأمم وقد غرقت في فيض العلم، وبرقت أبصارها بنور الحضارة، وامتلأت صحفها وأفواهها بالكلام في الحرية والعدل، والمساواة والمواساة، ما بالها تقول أبيض وأسود، وأوربي وزنجي؟! فيقضي قضاتها بقتل سبعة في عدوان على امرأة أن كان السبعة العادون سودا، وكانت المرأة المعتدى عليها بيضاء.
الإثنين 28 ربيع الثاني/5 فبراير
يعبدون المال وينكرونه
يطلب أناس المال، ويغلون في طلبه، ويجمعونه ويحرصون عليه، ويشحون به ويفدونه براحتهم ومتعتهم، بل يقيه بعضهم بدينه وعرضه.
وإن تكلم أحدهم عن المال قال: لا يهمني المال ولكنه حقي، أو لا أبالي بإنفاق المال ولكني لا أقبل أن يؤخذ مني كرها.
وكثيرا ما رأيت من يشتط في طلب زيادة في الوظيفة (المرتب) أو يسلك لها كل سبيل، ويتوسل إليها بكل وسيلة وهو يقول: المادة لا تهمني ولكن ... ويذكر علة كاذبة وحجة واهية.
ورأيت من يقول ويكرر القول: إنه لا يبالي بالمال، فلما امتحن به وطولب بما للحكومة عليه لم يتورع أن يحرف الحقيقة، ويلبس فيها ليفر من مال لزمه وحق وجب عليه.
وكم رأينا من يتحدث عن إنفاق المال وبذله وإهانته، والاستكبار من قبوله بغير حق بل الاستكبار عنه وهو حق له، فلما امتحناه بقليل، بطلب للنجدة، ولعاعة من الدنيا تبذل في سبيل الله، كذب خبره دعواه، وأدبر وتولى أو أعطى قليلا وأكدى، ثم لم يستح وجهه أن يحرك في التعذير لسانا كاذبا، ويطيل في الباطل حجة قصيرة.
وهكذا رأينا أعاجيب، وسمعنا أكاذيب، رأينا اختلاف القول والفعل، وتباعد الدعوى والحق.
وليس عارا على المرء أن يطلب المال ويجد في جمعه، ويحسن تدبيره وتوفيره ليبذل في وجوهه. ولكن العار كل العار أن يملكه المال ويستعبده، فلا يقضي به حقا ولا يسد به خلة، وألا يقي نفسه وخلقه بالمال بل يقيه بهما، وأن يدعي السخاء ويبخل، ويتكلم في الجود ويشح، وأن يعبد المال في أعماله وينكره في أقواله.
الثلاثاء 29 ربيع الثاني/6 فبراير
أصنام البشر
رحم الله إقبالا! يقول للمسلم:
كرهت سيادة الإفرنج لكن
سجودك للقباب وللقبور
ألفت عبادة السادات حتى
لتنحت سادة لك من صخور
ذكرت هذا حين ذكرت بعض القادة والأئمة يقدسهم الناس ويكادون يعبدونهم من دون الله، وتلقى واحدهم فلا تجد فيه ما يستحق به أن يعبد أو يقدس أو يعظم، بل لا تجد ما ينجو به من اللعن. وتجد الأنصار أو العبيد من حوله يدفعون عن سيئاته، بل يبدلونها حسنات، ويزيدون إلى الحسنة الواحدة مئات، وهم بين ذكي له منفعة في هذا التعظيم، وله رزق في سدانة الصنم، وآخر غبي يخيل عليه الخداع ويقصر عقله عن النقد، وقد أشرب قلبه من الهيبة والرهبة ما يبعد به عن التمحيص والريبة. إن بعض هؤلاء الأئمة لا يلقون تابعيهم إلا جابين أو مصدقين، ولا يعرفهم العاقل إلا مضلين مخادعين، وإنهم كما قال القرآن الكريم
وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار .
رأيت البارحة أحد هؤلاء الأئمة فإذا الناس وقوف خاشعون، وإذا الأبهة والنعمة والترف، وإذا الضيوف على مائدته لا يقطع عليهم حديثهم على المائدة إلا أنغام الموسيقى، وإلا رقص نساء كاسيات عاريات في الحين بعد الحين، ثم كانت الرقصة الجفلى فقام لها السفهاء وأصحاب الحلوم من الضيفان. قلت: كان الإمام يستطيع أن يخدع أعوانه ويكرم ضيفانه بالخدم والحشم أو الطعام والشراب، ولكنه زاد ألوان الخمر، وكان يسعه أن ينزه حضرته عن العبث وإن استحله، والرقص وإن أعجب به، ولكنه أرقص الناس في مجلسه، ولم يوقر نفسه. وعلى هذا كله قد انتهى الحفل وهو إمام، كما بدأ وهو إمام.