قلت أنا: وا سوءتاه! أليس في خطوب العالم وأحوال المسلمين ما يشغل علماءنا عن هذه ...؟! إن هذا أبلغ مثل في العناية بصغائر الأمور، ومن عني بصغائر الأمور شغلته عن عظائمها. إن من الناس من لا ترقى همته إلى الدرجات العالية، ولا يمتد أمله إلى الغايات البعيدة ولكني ما كنت أحسب أن من الناس من يشغل نفسه بمثل هذا، ولا سيما حين يحزب المسلمين من عظام الخطوب ما يحزبهم اليوم.
أيها المسلمون دينكم وعقولكم وهممكم وطموحكم وجدكم وتعاونكم؛ وإلا ذهبت ريحكم!
الأربعاء 23 ربيع الثاني/31 يناير
أئمة وأنبياء وآلهة
حدثني اليوم رجل أديب مهاجر من لكهنو، أن رجلا من بلدة كذا ادعى الإمامة، وقال لامرأته: صدقيني، فقد رأيت في المنام أني أقول لك: أنا إمام فصدقيني. قالت: لو رأيت أنا في المنام أنك إمام ما صدقت. وماتت امرأته فخطب صبية صغيرة فأبى أبوها تزويجها، قال الإمام: هي زوجتي كتب الله زواجي بها على العرش. وخاف أبو الصبية من هذه الإمامة فجاء إلى كراچي. قال محدثي: وجاء الإمام ونزل قريبا مني، وبلغني أنه أبرق إلى كبار الحكام هنا يرفع ظلامته ويطلب زوجه. وقال المحدث: وقد جاءني أحد أقرباء الصبية مضطربا يقص القصة ويبدي خوفه مما عسى أن يقع بين أقرباء الصبية وأنصار الإمام.
ومن حجج هذا الإمام على إمامته أنه يكتب سورة الإخلاص على حبة أرز!
قال محدثي: وفي البنجاب كثير من أمثال هذا الإمام، قلت: ما نعق ناعق بين العامة إلا أصغت إليه طائفة، والجهل يلد أمثال هؤلاء الأئمة وأمثال هؤلاء التابعين، ورحم الله المعري يقول:
لو قال سيد غضا بعثت بشرعة
من عند ربي، قال بعضهم: نعم!
وبعضهم هذا الذي يستجيب للذيب هم العامة يصدقون ما يقال لهم وتخيل عليهم الأباطيل. والذنب على هؤلاء الذئاب الذين يدعون على العامة ما يدعون، والذنب بعد على الجماعة التي تستطيع هذه الذئاب أن تعيش فيها وتعبث، فلو كانت جماعة رشيدة ما عبث فيها الذئاب. والذنب من بعد على من يملك عقلا وبيانا ولا يعلم الناس ويهديهم ويطب لأدوائهم، فإنما العامة أطفال على الراشدين تعليمهم، أو سوام على الرعاة هدايتهم. ولو جمعت أخبار هؤلاء المدعين ونوادرهم وشعوذتهم لكان منها كتاب للفكاهة ولدارسي النفس ولعلماء الاجتماع. وقد جمع سلفنا من هذه الأخبار طائفة، وإن في أخبار زماننا لوفرة لمن يجمع.
الخميس 24 ربيع الثاني/1 فبراير
أمة وسط
حدثت اليوم أحد الزعماء المسلمين القادمين إلى كراچي للمشاركة في المؤتمر الإسلامي فقال: إن هذا المؤتمر ينظر إليه العدو والصديق وينتظر ما يفضي إليه، وعلينا أن نزن كلامنا وأن ننتهي إلى آراء سديدة بينة نتفق عليها ونعمل لها. قلت: تكلمنا كثيرا فعسى أن نفعل، والقول الطائش الثائر يضرنا ولا ينفعنا، وينبغي أن تكون في المؤتمر لجنة للنظر في الأقوال قبل إلقائها. قال: إننا في حرب فلسطين كنا نتكلم فيأخذ اليهود كلامنا حجة عند من يمدونهم بالأموال والسلاح فينقلب كلامنا عملا في أيدي اليهود، ويبقى في أفواهنا كلاما. ثم قلت: إن العالم اليوم فريقان يختصمان وكل يتطلع إلى المسلمين يحسبهم الجماعة الجاهلة الضعيفة، يطمع فيها ويرجو أن تنحاز إليه، ونحن أمة وسط نبغي خير أنفسنا وصلاح الناس جميعا، فالذي علينا اليوم أن نبين للناس أننا لا نضمر شرا لأحد، وأننا لنا ديننا وحضارتنا وآدابنا وسنتنا وسنمضي سبيلنا غير معادين أحدا إلا من بغى علينا فغصبنا حقنا أو صدنا عن سبيلنا. إن الفريقين المتخاصمين اليوم يرضون من المسلمين بهذه الحيدة، يرضون أن يكون المسلمون أمة وحدها ما لم يطمع فريق في انحيازها إليه، فعلينا أن نؤيسهم من تحيزنا إلى فريق منهم ثم ننتهز الفرصة لنجمع كلمتنا ونبين غايتنا ووسائلنا وننادي في الناس جميعا أن لنا طريقة فيها خيرنا ولا تضر غيرنا. قال: ألا ريب أن شعارنا السلام، وما عرف دين جعل تحيته سلاما وختم الصلاة سلاما إلا الإسلام.