تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس كل الناس سواء في الخلق ولا يمكن أن يكونوا سواسية في العمل والمنصب والجاه، فلو صار العالم كله شيوعيا لبقي في العالم ذكي وغبي، وقوي وضعيف، وعالم وجاهل، ولبقي في العالم وزراء وكناسون، وأساتذة في الجامعات وحراثون، وقواد في الجيش وجند، وسادة في الدور وخدم. وكذلك بلاد الروس اليوم، والبلاد التي ابتليت بآفات الشيوعية، وكذلك ستكون.

ويحسب ناس أن في الشيوعية وحدها سعادة الإنسان، ويعمون عن الواقع في سائر البلدان، فالفلاح الإنكليزي والعامل الأمريكي هما لا محالة أسعد في نفوسهم ومعايشهم من الفلاح والعامل في بلاد الروس، وهؤلاء أحرار مكرمون تكفل لهم أممهم العيش جهد الطاقة وتكفل لهم الصحة والثقافة، فإن لم يرضوا شكوا فلقوا آذانا مصغية وقلوبا مشفقة وأيديا لهم عاملة. والآخرون يعملون ولا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيشكون، فأمامهم المرعى جديبا أو خصيبا، والراعي وعصاه، ولا إله، والإنسان حيوان أعجم سلط عليه راع حطم، وأمور أخرى يضيق المجال عن عدها وحدها.

الإثنين 21 ربيع الثاني/29 يناير

مأساة

قرأت في الصحف المصرية أن الشرطة قبضت منذ أيام على عصابة من الأنذال تسخر مائة من الصبيان والصبايا في السرقة، وتتجر فيهم للاستمتاع. ونشرت الصحف صورا لرجال ضخام هم رءوس العصابة وتجار الإثم. ولو أحصى القارئ ما ينشر في الصحف من هذه المخازي في سنة لعد مئات كل عام، وليس الذي ينشر في الصحف إلا ما ظهر للشرطة، وما خفي أكثر وأشنع.

تستطيع الشرطة أن تراقب وتفتش وتمسك، وتقدم إلى المحاكم فتحكم بعقوبة خفيفة أو شديدة، وليس هذا كله إلا جهدا خائبا. إنما مثل حكومتنا في هذا مثل زارع كثر في أرضه النبات المضر بزرعه من النجيل والحلفاء وأشباههما، فهو يقلعها كل يوم جهده فينبت مكانها مثلها أو أكثر، ولا يقي زرعه هذه الآفات إلا أن يبحث في الأرض فيجتث جذورها. ومثل الحكومة مثل إنسان تكثر الدمامل على جسمه فيدهنها فتزول ويظهر على جسمه غيرها، مرض في باطنه ينبت هذه الدمامل فلا بد من علاج الباطن. إن في القاهرة - وفي مدن أخرى - مغارس للجرائم لن تفتأ تنبتها، ولن تقضي الحكومة على المآثم ما بقيت هذه المغارس. إن في طريقنا ومجامعنا ودورنا منابت للجرائم ولن تفلح الحكومة في منعها بالتفتيش والأخذ والسجن، ولا مناص من تعرف منابت الجرائم وإصلاحها كما يصلح الزارع أرضه بالبحث والحرث ونفي الأعشاب المضرة واستئصال جذورها وبذورها. عليكم بالإحصاء وتحري الأسباب، وتتبع الجرائم في مغارسها من النفوس والدور والطرق والملاهي. وأما ما أنتم فيه فهو عبث أو شبيه بالعبث، وهو جهد خائب، وعمل يذهب سدى وتبقى الجرائم والمجرمون، ويخيب الإصلاح والمصلحون، والعقاب والمعاقبون.

الثلاثاء 22 ربيع الثاني/30 يناير

مخزاة

لقيت اليوم وزيرا فاضلا أديبا من وزراء باكستان فتحدثنا، كدأبنا حين نلتقي، عن الشاعر إقبال. وحديث إقبال يفضي إلى ذكر الإسلام وسمو مثله وقوته في نفس المسلم، وهلم جرا. قال: إني سمعت أن الإنكيز يذكرون طريقتهم في الحياة ويعتزون بها. قلت: نعم يذكرها الناس في أوروبا وأمريكا حين يتكلمون عن الشيوعية فيقولون: إن لنا الحق في أن نسير على طريقنا في الحياة وندافع عنها ... قال محدثي: فهل لنا معشر المسلمين طريقة في الحياة ...؟ قلت: للإسلام طريقته لا ريب؛ ولكنا بين جاهل بالطريقة، وبين عارف بها بعض المعرفة، وبين عارف كل المعرفة ولكنه يخاف أن يدعو إليها أو يخجل. وإن علينا أن ننظر فنعرف طريقنا في الحياة فنسير عليها ونعتز بها وندافع عنها، ولعل ما في العالم اليوم من قلق وخصام ييسر لنا أن نسلك طريقا وسطا لنكون كما قال القرآن أمة وسطا.

قال محدثي: إن مصيبتنا أن علماءنا لا ينظرون إلى طريقنا في الحياة، ولا يعنون بعظائم الأمور ولكن يهتمون بصغائرها . وقال: لقد قرأت أمس بعض ما اتفق عليه جماعة من العلماء فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان فيما قرره العلماء أن تهتم الحكومة بمراقبة الدور وتحويل بيوت الخلاء عن جهة القبلة.

الشوارد · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١١٤