وقال إن اسمه خليل الأنصاري وإنه يمني الأصل خزرجي وإنه تعلم العربية من والده وصهره في الهند، ولم يقم في بلاد العرب. قلت: إنك جدير أن تسمى الخليل بن أحمد، فاستغفر.
خرج الشيخ على أن يعود إلي الحين بعد الحين. وللشيخ بنت سمعت أنها تتكلم العربية فصيحة معربة، وقرأت رسالة لها عربية بينة.
جاء الشيخ اليوم ليزورني على غير موعد وفي غير وقت الزيارة، فعرفه الخادم أنه ليس حين الزيارة وأن عليه أن يعود كرة أخرى. ثم جاء الخادم عشية يقول: إن شيخا جاء ليزورك «يتكلم عربي مكسر» وعرفت أنه يصف الشيخ خليلا، قلت ضاحكا:
وكم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
وقلت سبحان الله! ماذا يلقى العالم من الجاهل، والعاقل من الأحمق، والطيب من الخبيث، والمهتدي من الضال، إن خميسا الذي لا يبين يقول للشيخ خليل: إن عربيته مكسرة!
السبت 12 ربيع الثاني/20 يناير
عش حدأة
في حديقة الدار المجاورة شجرة مطلة على حديقة الدار التي ننزلها، وعلى فرع غليظ عال من فروعها عش حدأة، يطير هذا الطائر محلقا يلتمس رزقه في أجواز الفضاء، وعلى الأرض والشجر، مقدما على الخطر، واثقا بالظفر، ويعود بما قسم له، باسطا جناحيه، حتى يقارب العش فينحط بجانبه ويطعم فرخه بما نال جناحه ومنقاره ومخلبه بعد تحليق وإسفاف، وصف وقبض. ولا يخلو العش من أحد الزوجين: الذكر والأنثى، يحلق واحد في طلب الرزق ويحرس آخر العش، دواليك حتى يجمعها الليل. رأيت الزوجين وأنست بالنظر إليهما قلت: سبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى! من علم هذا الطائر أن يجمع الأعواد من كل جانب فيضعها ممهدا لبيضه؟ ومن علمه أن يحضن البيض حتى يفرخ؟ ومن ملأه حنانا على أفراخ لم يرها من قبل؟! بل من عرفه هذه الأفراخ وأوصاه بها؟ ومن ألزمه أن يتقلب في الجو يحرث ببصره الحديد الأرض والهواء، مفتشا عن رزق هذه الأفراخ؟ ومن أوحى إليه أن ينسر اللحم لييسر للصغار طعمتها، ويؤثرها بقوته الذي جهد له؟
وذكرت الدجاجة كيف تعكف على بيضها فإذا حان الإفراخ قلبته ونقرته لتفرج عن الفروج، وكيف تهجر الطعام وتضوى وتبقى أياما طوالا صابرة راضية حتى تظفر بفراخها، فتسير لاقطة لهن باسطة جناحيها عليهن، مخاطرة بنفسها دونهن. وذكرت الحمامة تلقط الحب بين الخوف والنصب وبعد طول تحر والتماس، ثم ترجع إلى فرخيها فتزقهما بما في جوفها، تلقطه لتحفظه لهما، فإذا رجعت إليهما أخرجته من حوصلتها، وهي في حاجة إليه وقد نصبت له وجهدت. وذكرت من الوحش والأنيس، والدابة والطير، ما ينطق بإلهام خفي وحكمة مدبرة، وتدبير يعجز عقولنا إدراكه، قلت: ربنا أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
الأحد 13 ربيع الثاني/21 يناير
مشاعرة
قرأت منذ شهر أن صحيفة الفجر الباكستانية دعت إلى مشاعرة في كراچي يوم السادس من كانون الثاني، فحرصت على أن أشهدها ولكن عاقني المرض. وكنت سمعت عن المشاعرات في الهند من قبل، وهي أن يجتمع شعراء فينشد كل واحد من شعره في حفل من الناس، فلبثت أرتقب مشاعرة من هذه المشاعرات حتى دعاني السيد خليق الزمان رئيس الرابطة الإسلامية قبلا إلى مشاعرة في داره اليوم فسنحت الفرصة. وذهبت إلى الدار فتناولنا الشاي في الحديقة، ثم جلسنا بعد صلاة المغرب في بهو كبير على بسط، والجلوس على البسط مألوف هناك. وجلس الشعراء صفين متقابلين والناس حولهم، وأنشد كل شعره يتغنى به في غير مبالغة في مد الصوت والتطريب، والإنشاد هو هذا. وما سمعت شعرا أرديا إلا يتغنى به صاحبه. وكان الحضور يظهرون استحسانهم - كلما استحسنوا - بكلمات للتعجب أكثرها: وه وه! فيشير الشاعر بيده إلى جبهته شاكرا. وكان الشعر بالأردية فلم أعرف كل كلمة ولكن أدركت كثيرا مما أنشد، وعلق بنفسي معنيان؛ قال أحد الشعراء: فيك جمال وعندي دموع، فمنك الورد ومني الندى. وقد نظمته: