تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالنوع من البهائم لا تفترق آحاده، ولا يمتاز بعضها من بعض إلا افتراقا قليلا، وإلا امتيازا قريبا. فالفرق بين عنز وعنز، أو حمار وحمار، أو كلب وكلب، هين ولا سيما بين آحاد النوع الواحد. وكذلك البهيمة على اختلاف أسنانها وبيئاتها لا تختلف أحوالها كثيرا، فالحمار في القرية والمدينة وفي البدو والحضر يتشابه إدراكه، وتتقارب نزعاته. ولكن الإنسان، هذا الخلق العجيب، يختلف بين أمة وأمة، ويختلف في الأمة الواحدة، ويختلف واحده في أطوار عدة اختلافا بينا. فنجد في أمة بل في أسرة، اثنين: ذكيا وغبيا، وفصيحا وعييا، وخيرا وشريرا، حتى لنجد مسافة الخلف بينهما أبعد مما تجد بين نوعين من الحيوان.

ثم تجد الإنسان عينه يترقى في الفكر والعلم درجات لا تحصى، ويتقدم في الفن تقدما يكاد يقطع الصلة بين مبدئه ومنتهاه، ويسير في التأدب والتكمل، والتزود من الأخلاق والفضائل إلى غير نهاية، فانفسح للإنسان مجال العمل، وامتدت له السبيل، واتسعت له الحياة على قصرها، بهذه الأطوار المختلفة، والشئون المتعددة، والأحوال المتباعدة، والطرق المترامية. فليجهد الناس للكمال وليدأبوا في التقدم، وليستبقوا الخيرات، فلا حد للفضيلة ولا نهاية للكمال.

الخميس 10 ربيع الثاني/18 يناير

ولم أر في عيوب الناس شيئا

كان لي صديق أيام الشباب فصلينا معا مرة فاقتصر على الفرض ولم يصل السنة، فأنشدته بيت المتنبي:

ولم أر في عيوب الناس شيئا

كنقص القادرين على التمام

فكان يقول لي من بعد: كلما هممت بترك السنة تذكرت بيت صاحبك فصليتها.

وإنها لحكمة لأبي الطيب لو وعاها الناس! إنما يقصر الناس؛ لأنهم يرضون ما دون الكمال في أعمالهم، تقف بهم الهمم دون الغاية، أو يصدهم الكسل أو الإشفاق، أو عقبات أخر. ولو أن كل إنسان طمح إلى الدرجة التي فيها كماله، ثم بلغ بكل عمله الكمال جهد طاقته؛ لنال الكمال الذي يبغيه غير منقوص. ولو أن الأمم عملت بحكمة أبي الطيب؛ لتقدمت الإنسانية جماعاتها ووحدانها أكثر مما تقدمت.

حق أن أكبر العيوب، عيوب الناس جميعا، أن يرضى الإنسان النقص في قول أو فعل أو فكر وهو قادر على أن يبلغ به التمام، ذلكم أعظم العيب؛ لأنه عيب كلي يرضي الإنسان بما دون الغاية في كل أموره، ويرضي الجماعة بما دون الغاية في كل شئونها، وما الجماعة إلا وحدانها. والإنسان مدعو في هذه الحياة إلى العمل؛ ليزيد في نفسه وفي جماعته حتى يبلغ التمام أو يقاربه جهده. والكمال لا ينال إلا بمحاولته والسعي إليه والكد له والصبر في طلبه.

تعترض الإنسان عقبات لا حيلة له فيها، وهو إن ثابر وصبر اقتحمها اليوم أو غدا. فأما إن وقف مختارا وكف عن المسير قادرا، فلا سبيل إلى بلوغ الغاية ولن تتم الأعمال التي يتم الإنسان بتمامها في هذه الحياة.

الجمعة 21 ربيع الثاني/19 يناير

عربي مكسر

زارني منذ بضعة أيام في دار السفارة شيخ ربعة قوي، أشمط اللحية طويلها، وتكلم بالعربية معربا فصيحا، سلس الكلام، لا يتردد ولا يتوقف، وعرفني أنه يعلم اللغة العربية، وذكرني أنه قابلني في جدة. وتحدثنا عن اللغة العربية فأقسم مرات أنها أسهل اللغات، وقال: لي دليلان الأول ديني؛ وهو أن الله اختارها لشرعه، قال: والثاني فني، وأفاض في بيان خصائص العربية. وقال: إن التجربة شاهدة، وإنه يكفل أن يعلم من يشاء، فيتكلم بالعربية بما علم منها بعد ثلاثة أيام. قلت: يا شيخ إن الناس يبالغون في وصف العربية بالصعوبة وأنا أدري أنها لغة كاملة دقيقة ومن كمالها صعوبتها. فعارضني يقسم أنها ليست صعبة. قلت: إني فرح بسماع هذا منك فالذي لا ريب فيه أنك شيخ نشأت في غير بلاد العرب، وصناعتك تعليم العربية، وأنت تقسم بعد الممارسة والمعاناة والتجريب أنها ليست صعبة فهذه شهادة قيمة لا مراء فيها.

الشوارد · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٠٩