الإثنين 7 ربيع الثاني/15 يناير
نجدة
سمعت الساعة في إذاعة محطة الشرق الأدنى أن أحد الإنكليز، من ولاة القدس فيما سبق، دعا في صحيفة التيمس اليوم إلى إغاثة البائسين مشردي فلسطين. ووصف ما يعانيه هؤلاء المنكوبون من شدائد، فلم تمض أربع ساعات حتى كان المتصدقون مزدحمين على الصليب الأحمر في لندرة يحملون ما يتبرعون به من ملابس قديمة وأغطية، حتى وقف النساء صفوفا كدأب الإنكليز إذا ازدحموا على شيء، وكل امرأة تحمل نجدتها للمساكين من مشردي فلسطين.
قلت: لو دعا داع في بلاد العرب مثل هذه الدعوة ما رعاها الناس كما رعاها أهل لندرة، ولو وعوها ما سارعو إلى التبرع، ولو سارعوا إليه ما ذهبوا بأنفسهم يقدمون ما تبرعوا به، ولو ذهبوا بأنفسهم ما أطاقوا الانتظار مصطفين حتى تأتي لكل نوبته. ولا ريب أن العرب أكثر اهتماما بأهل فلسطين وأرحم بهم، والإنكليز هم نكبوا أهل فلسطين وأسلموهم إلى اليهود بكيدهم ونفاقهم ودورانهم مع المنافع وتنكرهم للحق، ولكني أنوه هنا بما عند القوم من أخلاق أخرى. هذا الذي يفرق بيننا وبين هؤلاء الناس، هم يسمعون فيهتمون فيعزمون فيبادرون فيفعلون، ونحن في كل خطوة من هذه الخطا تخذلنا النفوس، وتعوزنا النجدة، وينقصنا العزم، ويفوتنا النظام. إن هذه الدعوة وهذه الاستجابة عنوان لكتاب في حياة الأمم وأخلاقها ونظامها، ويستطيع باحث أن يصلهما بكل ما في الأمم من أسباب تقدم وأسباب تأخر. وربما يراهما الغافل أمرا أمما، وحدثا ليس ذا خطر، ولكن الخطر كل الخطر في هذا الحدث لمن وعى ونفذ فكره إلى بواطن الأمور، وبصر بالسنن الخفية التي تحيا بها الأمم وتقوى، أو تهن وتموت.
إن في ذلك لعبرة فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الثلاثاء 8 ربيع الثاني/16 يناير
السرقات الشعرية
كم قرأنا في كتب الأدب عن السرقات الشعرية، وكم قرأنا وسمعنا لخصوم شاعر أقوالا في رد معانيه النابهة إلى شعراء آخرين، وكم اجتهد الأدباء أن يفصلوا في دعاوى السرقات واختلفت آراؤهم فيها.
ويبدو لي أنه ينبغي التسليم بهاتين المسألتين: الأولى أن بعض المعاني يعد عجيبا مخترعا لا يظفر به الشعراء إلا قليلا، ويعرف صاحبه الذي اخترعه وينبه به، فهذا المعنى هو ينبغي أن يكون موضوع النظر في دعوى السرقات.
والثاني أن المعاني العامة، بل المعاني السرية، التي لا تبلغ درجة الإبداع والتي تكثر في كلام كبار الشعراء، ينبغي ألا يعنى فيها بهذه الدعوى؛ دعوى السرقة، فإن الشاعر الكبير يقرأ لغيره وتختلط معان كثيرة في نفسه، منها ما سمع ومنها ما اخترع، وتصير هذه وتلك ملكا له، غير متميز بعضه من بعض، إن كان الشاعر في منزلة من الشعر تيسر له اختراع مثل ما اخترع غيره وترفعه إلى مكانة الشعراء المبرزين. وآية هذا أن تجد الشاعر فيما لا تدعى السرقة فيه، ليس أدنى مكانة ولا أقل خطرا منه فيما ادعي فيه السرقة. فإن كان الشاعر فيما يسلم له أدنى درجة، وأقل بلاغة منه فيما ادعي فيه السرقة، وكانت المسروقات في شعره لمعا تتميز عن سائر شعره، حق لمدعي السرقة أن يقول له: إنه أقل خطرا وأبلد طبعا من أن يقول مثل هذه المعاني وإنه سرقها من فلان، فيوزن شعره بالغالب عليه لا بهذه المعاني القليلة التي سيقت إليه. إن الشاعر الفحل المخترع لا يليق به أن يحاسب فيقال له: أخذت وأخذت، ولا يضيره أن يسلب ما يدعى عليه أخذه ما دام له من طبعه وثروته ما لا يخل به أن يسلب هذا المقدار أو أكثر منه.
الأربعاء 9 ربيع الثاني/17 يناير
الإنسان والحيوان
يعلم العلماء المختصون فرق ما بين الإنسان والبهائم في الجسم والنفس، وليس هذا قصدي في هذه الكلمة، إنما يعنيني هنا فرق واحد، ما بين الإنسان والبهيمة في تفاوت الآحاد ، وتفاوت النفس الواحدة في حالات.