تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قلت: وتلام أمة نشأت شبابها هذه النشأة التي نعرفها، فيها العرام، والوقاحة، والهزل، وليس فيها الأدب والحياء والجد. وإن شبابنا ينشأ اليوم في الملاهي بين فتن لا يثبت لها خلق، ومهالك لا يسلم فيها فكر.

لا تمكن تنشئة الشباب السليم والبيت والمدرسة كما نرى، ولا يستطيع البيت والمدرسة تربية النفوس والأجسام ما دامت الطرق ما نبصر والملاهي كما نعرف.

يا قومنا إن للسلامة طريقها، وللتهلكة طريقها، وإن الصلاح له سنة، والفساد له سنة، فمن سلك طريق التهلكة فلا يرج سلامة، ومن سار على سنة الفساد فلا يبغ صلاحا.

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها

إن السفينة لا تجري على اليبس

لا بد للتربية الصالحة من دار صالحة ومدرسة رشيدة، وبيئة قويمة، فأين هؤلاء مما نحن فيه؟ بل أين هذا السفه مما نبتغيه؟!

السبت 5 ربيع الثاني/13 يناير

طلبة عند وزارة الخارجية

قرأت في صحف اليوم أن زهاء ألفي طالب اجتمعوا في القاهرة واتخذوا قرارات، وساروا إلى وزارة الخارجية ليبلغوها ما قرروا. ومما قرروا أن تقطع المفاوضات بين مصر وبريطانيا، وألا يقبل الاشتراك في الدفاع عن قناة السويس على أية حال. وقرأت أن وزير الخارجية قال لهم فيما قال: إن سياسة البلاد الخارجية لا تكون موضع جدال مع الطلبة.

وأرى أن كل مظاهرة كهذه وراءها معان كثيرة؛ أولها: أننا نعيش في فوضى توحي لصغار الشبان أن يملوا على الحكومة ما يشاءون في أمر لا يعرفون عنه شيئا، وكم في تاريخنا الحديث من هذه المساوئ!

والثاني: أن بعض الناس يوحون إلى بعض الطلبة ما يريدون، فيوحي هؤلاء إلى طلاب مخلصين غافلين فينطلقون لا يصدهم تفكير ولا حياء. والثالث: أن من طلبتنا من يستجيبون لكل ناعق؛ رغبة فيما ألفوا من الهرج والمرج ورغبة عن الدراسة، وكم شهدت في هذا مضحكات مبكيات !

كان لنا أن نتخذ هذه الوسائل حينما كنا ننازع الإنكليز وهم مسيطرون على بلادنا، وليس لنا حول ولا قوة، فلم يكن إلا الصياح وإشاعة الفوضى، والهجوم على الإنكليز وعلى النظام الذي يسألون عنه، لم يكن لنا غير هذا حيلة. أما وقد ترك الإنكليز البلاد إلا بقعة القناة، وقامت لنا حكومة منا، هي أدرى بمطالب مصر وأبصر بالتوسل إليها فليس هذا التجمهر إلا عدوانا على الحكومة، وطغيانا على النظام، وليس وراءه إلا المعاني التي ذكرت، أو ما هو شر منها. والله المستعان.

الأحد 6 ربيع الثاني/14 يناير

الترجمة والإنشاء

محمد إقبال شاعر فيلسوف نظم دواوين تسعة ضمنها شعره وفلسفته، وأنا من أشد الناس إعجابا به واتباعا له، وكنت ترجمت من شعره نظما ونثرا ونشرت منذ سنين، ثم ترجمت رباعيات من ديوان «پيام مشرق» وأنا في كراچي. وكنت بدأت منذ سنين منظومة سميتها «لمعات» جعلتها جوابا لبعض دواوين إقبال، وما زلت على العلات أعود إليها فأزيد فيها ولما تكمل.

وعرضت أول من أمس على الأخ الأديب عمر بهاء الأميري وزير سوريا في باكستان بعض ما ترجمت من شعر إقبال وبعض ما أنشأت من شعر جوابا له، فقال لما أنشأت: هذا أجود من شعر إقبال! قلت فورا: هذا فرق ما بين الترجمة والإنشاء، لست أدعي أن أسامي إقبالا الشاعر الفياض الفيلسوف، ولا يدعي أحد أن ترجمتي شعره ركيكة، ولكن الكلمة التي قلتها فتحت في نفسي سبيلا إلى معان كثيرة، منها أن المترجم لا يشعر شعور المنشئ وإن اجتهد أن يضع نفسه موضعه، فلا يكون في الكلام أحيانا حرقة العاطفة وروعة الفطرة، كالأب والمتبني أو المربي، فربما كان من يتبنى ولدا أو يربيه شفيقا بصيرا بالتربية حفيا بمن يربيه كثير التعهد له، وربما بز الأب في كل هذه المعاني ولكن تنقصه الأبوة وشفقتها، والفطرة وأصالتها، فلا تؤثر عينه وبره كعين الوالد وبره. إن لم يكن هذا ما شعر به الأخ عمر فيما سمع من ترجمة وإنشاء فلعله شعر به في إنشادي، لعلي كنت أنشد ما أنشأت كما ينظر الوالد إلى ولده ويحدث عنه، وأنشد ما ترجمت كما ينظر المربي ويتحدث. وفلسفة إقبال تدور في معظمها حول الفطرة واستكناه ما فيها، والحذر من المحاكاة، والنظر إلى ما عند الناس، وهي الفلسفة التي سماها «أسرار خودي» وأبان عنها في صور شتى من شعره، ولا ريب أن هذه الفلسفة تؤثر الإنشاء على الترجمة.

الشوارد · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٠٧