قد جنت الوظائف على كثير من الناس وإن نفعتهم، وحرمتهم أنفسهم وإن أكسبتهم مالا وجاها.
الأربعاء 2 ربيع الثاني/10 يناير
الشمعة في أدبنا
نحن في هذا العصر لا نشعر بما كان يشعر به آباؤنا في العصور الخالية، ففي المدن اتخذ الناس من الليل نهارا صناعيا تغني مصابيحه عن ضوء النهار؛ فيستمر العمل، ويطول السهر، وتدوم الضوضاء فيحرم الناس نعمة السكون والهدوء. وفي القرى حيث لا كهرباء، لا يعدم الناس وسائل للتنوير تمكن الصانع من السهر على صنعته، والقارئ والكاتب من إطالة القراءة والكتابة ما شاء في غير عناء.
وكان أسلافنا يستصبحون بسراج خافت تبص فيه فتيلة تستمد الزيت لنورها، وكان أعيانهم يوقدون الشمع. وكم سهر علماؤنا وأدباؤنا وشعراؤنا على نور الشمع، فكانوا إذا هود الليل وخفتت الأصوات أنسوا إلى الصاحب الأنيس، والرفيق المسعد، ونظروا إلى الشمعة ولها لسان من اللهيب يميس أحيانا ويخفق أحيانا ويطول ويقصر، ورأوا ذوب الشمع يسيل تخيلوه دموعا وتحدثوا في حنين الشمع وحرقته ودموعه. ورأوا الشمعة تذوب والناس يستمتعون بضوئها فتكلموا في الإيثار وقالوا: كالشمعة تضيء للناس وتحترق. ورأوا الشمعة يقط رأسها فيزيد نورها فتكلموا في الإقدام على الشدائد ومعاناة الآلام كيف تزيد الإنسان حياة وقوة، وافتن في هذا شعراء الصوفية.
وإن جمع ما قيل في الشمعة من الشعر العربي اجتمع ديوان كبير يخلد ذكرى الشمعة، ويصور شعور آبائنا وهم يسهرون لفرح أو ترح، أو لكتابة وقراءة.
لعل أحد أدبائنا ينتدب لتتبع ما قال شعراؤنا في الشمع ويرتبه على الزمان فيخلص لنا أدب، هو وحي الخلوة والسهر أيام كان للناس ليل يسكنون فيه، وخلوات يعرفون فيها أنفسهم.
الخميس 3 ربيع الثاني/11 يناير
في المسجد الحقائق
تأملت في المسجد اليوم حين صلاة الجمعة - وأنا أصلي في مسجد صغير يملؤه المصلون السابقون، فأحمل معي مصلى أبسطه في منتهى الصف الأول تحت ظلة خارج المسجد - تأملت فقلت: الناس في غير المسجد غني وفقير وعزيز وذليل، وعظيم وحقير، وراكب وماش، ومنتعل وحاف، ومتكبر ومتواضع، وصاخب وساكت، هذا كله في الدنيا، دنيا المجاز والباطل والزخرف، حتى إذا انتهوا إلى هذه البقعة خلعوا مع النعال هذه المجازات ونبذوا هذه الاستعارات، فتجلت الحقيقة التي لا مراء فيها:
الناس كلهم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم.
أنظر فإذا الناس سواسية يتنافسون في التقوى، ولا يتفاخرون بالزي والمنظر، فأحسنهم في العين أعظمهم خشوعا وأكثرهم دعاء وأحسنهم سمتا.
درويش وغنى بنده اين خاك درند
آنانكه غنى ترند محتاج ترند
الفقير والغني عبد هذه السدة وأغناهم أحوجهم.
وتعم الناس هذه المساواة وهذه الألفة وقد زالت المرائي المفرقة، والمنازع المتنافرة، والمعاني المتلاعنة، فيفسح كل لأخيه، ويتواضع له ويؤثره.
إن المصلي المخلص ليستحي من أثر الغنى عليه، ويود أن يخفي جاهه ومنصبه، يرى أنه دخل المسجد في غير زيه ولم يعد للقنوت عدته، ويحرص المسلمون على سد الفرج بين المصلين، وتقويم الصفوف ملاءمة بين الألفة الباطنة والالتئام الظاهر.
إن ساعات المسجد جلاء للقلب والعقل، وانفتاح في البصر والسمع، تزول فيها حجب عن القلوب، وغلف عن العقول، وغشاوة عن الأعين، ووقر عن السمع.
إن في هذه الساعات لزادا من الحقيقة يثبتنا في معترك المجاز، وذكرى من الحق تمنعنا أن نستجيب للأباطيل.
الجمعة 4 ربيع الثاني/12 يناير
راقصات إسبانيات في الجامعة
قرأنا في صحف مصر وغيرها أن راقصات إسبانيات كن في القاهرة، فذهبن إلى الجامعة فرقصن في حفل هناك، فلما انقضى الحفل زحمهن الطلاب، وكان اضطراب وهرج.
قلت: اللوم على من دعا الراقصات إلى الجامعة، يكرمهن ويشيد برقصهن في معاهد العلم، المعاهد التي لها في تاريخ المسلمين طهارة وحرمة، فهي المساجد أو أخواتها. واللوم على من عرض على الشبان سربا من الراقصات يفتن بأجسامهن وغنائهن وحركاتهن ونظراتهن.