والشعر أكثر اتصالا بعاطفة الأمة وذوقها، وطبع الشاعر ومزاجه، وطرائق التعبير والتجوز والتصوير في اللغات، فهو حري أن يكون أشد الكلام استعصاء على النقل من لغة إلى لغة. ويزيده عسرا أنه مقيد في لغته وفي اللغة التي تتبناه بالأوزان والقوافي، وعلى المترجم أن ينقل المعاني والصور والدقائق في مسافة محدودة من البيت، على وزن معلوم، وقافية مألوفة، وفي هذا امتحان الطبع والملكة، واختبار العلم باللغة، والبصر بدقائقها، وابتلاء الذوق كيف يخرج من هذه المآزق كلها سليما صحيحا. ولا بأس أن يتصرف المترجم بالإطناب والإيجاز، وتغيير الألفاظ والأوزان والقوافي في غير حرج. أمور لا يدركها إلا من اختبرها ولا يقدرها إلا من رازها.
وقد وقعت في هذه المضايق، وجربت من هذه المصاعب وأنشدت كثيرا قول أبي الطيب:
وضاقت خطة فخلصت منها
خلاص الخمر من نسج الفدام
الإثنين 29 ربيع الأول/8 يناير
المرء حيث يضع نفسه
قرأت في كتاب أدبي، أحسبه «البيان والتبين»، أن أديبا رأى فرسا يحمل عليه الماء، فقال: المرء حيث يضع نفسه، لو هملج هذا ما حمل عليه الماء.
في الناس طموح، آماله في اللوح، يكاد يحلق بغير جناح، على الرياح، بعيد الأمل، دائب العمل، أبي عيوف، يأبى الدنايا ، ويكلف بالصعب البعيد. وفيهم من لا يرفع بصرا إلى قمة، ولا تطير به همة، ولكن بصره في الحضيض وهمته في الرغام، كهوام الأرض لا يأنف من دنس، [ولا] يضيق بهوان. وبين هذين درجات تضع الناس فيها هممهم وعزائمهم وأخلاقهم.
لا أقول: إن كل من طمح نجح، ولا كل من أمل حصل، ولكن هذه السنة القائمة في هذه الحياة.
وليس هذا في المال والجاه والمنصب، والعلم والعمل فحسب، بل هو أكثر ما يكون في الأخلاق. فهذا فقير ولكنه عفيف فهو مكرم مهيب، وهذا غني ولكنه شره، فهو حقير مهين، وهذا عزيز بنفسه لا يطأطئ رأسه لضيم، ولا يستعبده مطمع، فهو كذلك عزيز عند الناس، لا يسومه أحد دنية، ولا يطمع أحد في مذلته. وهذا ذليل في نفسه يكلف بالمذلة في غير حاجة إليها، ويسعى إلى الدنايا غير محمول عليها، لا يغنيه منصب ولا مال، فهو كذلك عند الناس ذليل.
ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
تأمل في الناس تجد تصديق هذا، وتعرف أن الإنسان هو يدعو الناس إلى إكرامه أو إهانته، وإلى إعزازه أو إذلاله. أكرم نفسك تكرم، وأهنها تهن، ولا تلومن إلا نفسك.
وأكرم نفسي إنني إن أهنتها
وحقك لم تكرم على أحد بعدي
الثلاثاء 1 ربيع الثاني/9 يناير
الرجل بعد سن الوظيفة
في مصر وكثير من البلاد، يعفى الموظف من العمل بعد سن الستين ويمنح راتبا لعيشته يختلف باختلاف راتب وظيفته ومدتها، يسمى في مصر المعاش وفي البلاد العربية الأخرى التقاعد. وكثير من الناس يقدرون أنفسهم، ويقدرهم قومهم بالمنصب الذي يتولونه، فإذا أعفي الموظف من العمل - والإعفاء فيه مكافأة وتقدير كما فيه استغناء - لم يبق للرجل قدر عند نفسه وعند الناس إن لم يكن له غير الوظيفة وزن، فترى كثيرا ممن يعفون من العمل؛ أي يحالون إلى المعاش في اصطلاح الناس، يحزنون، وتفتر هممهم، وتهن أجسامهم. ومنهم من يسرع إليه الموت، يرى أن عمره مضى أو قدره نقص، ولم يبق له سلطان ولا جاه بعدما كان الناس يتقربون إليه ويتملقونه . ولو كان للناس أقدار في أنفسهم، وهمم أكبر من وظائفهم لعدوا الإعفاء من الوظيفة حقا لهم ومكافأة على أعمالهم، وإطلاقا من القيد، وتمكينا من العمل؛ فقويت أجسامهم وشرحت صدورهم، وعملوا ما لم يستطيعوا ما أمدتهم القوة والصحة. وكثير من أولي العلم والأدب زادهم اعتزال الوظيفة عملا وقدرا.
فينبغي أن يقل الناس من تقديرهم الوظائف ليعتزوا بغيرها ويكملوا أنفسهم بدونها، فإذا زالت لم تزل معها كل شيء، وينبغي كذلك أن يروضوا أنفسهم على أعمال يمارسونها على قدر ما يأذن به العمل الرسمي، فإذا فرغوا من هذا العمل يجدون عملا.