تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجمعة 26 ربيع الأول/5 يناير

قصة للصاحب ابن عباد

قرأت في كتاب «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، أن الصاحب إسماعيل بن عباد كان في بغداد يطلب العلم في شبابه، وكان في المدينة حينئذ متصوف معروف اسمه ابن سمعون يتحدث في التصوف على طريقة الشبلي الصوفي المعروف.

قال الصاحب: ذهبت إلى مجلس ابن سمعون في زي طلبة العلم، فوضع له كرسي من الساج وخرج على الناس فجلس على كرسيه وتكلم فسألته: ما تقول في سيكونيات العلم إذا وقعت قبل التوهم؟ - أراد الصاحب أن يسأل سؤالا لا معنى له ليرى كيف يجيب الشيخ - قال: فورد عليه ما لم يخطر على باله، فأطرق قليلا ثم أخذ يتكلم فأطال، فقلت له: هذا إذا وقعت بعد التوهم وأنا أسأل عنها إذا وقعت قبل التوهم.

قال الصاحب: وما زلت به حتى أضجرته.

أقول: إن هذا المتصوف إما أن يكون قد عرف أن الصاحب يهزل معه فمضى في كلامه ليرى الناس قدرته على التكلم ويرى الصاحب أن هذا الذي حسبه هزلا هو عند العلماء جد، وإما أن يكون قد توهم أن في العلم أشياء تسمى سيكونيات وأشفق أن يعترف بجهله بها فانطلق في كلام يموه به على الناس، ويغرب به على الصاحب، ولو قال لا أدري لسلم واستراح.

إن كثيرا من الناس يتكلمون على غير هدى؛ رئاء الناس، وهجوما على ما يجهلون، واجتراء على الحق، وسخرية بالعقول، واستكبارا أن يقولوا: لا نعلم. وكثير من السامعين والقارئين يقسرون عقولهم على قبول ما لا يعقلون، ويتوهمون أن هذا المكتوب أو ذاك المسموع وراءه معان جليلة غامضة، فلا يعدمون وهما يسيرهم في كلام ويفضي إلى أوهام. وكم كتب الكاتبون وشرح الشارحون كلاما كسؤال الصاحب وجواب ابن سمعون، وهو من الكلام الذي قال فيه أبو العلاء:

وأقسم أن ابن المعلم هازل

بأصحابه والباقلاني أهزل

السبت 27 ربيع الأول/6 يناير

بين منفعة الواحد ومنفعة الجماعة

الجماعة آحاد اجتمعت، خير الآحاد في خير الجماعة وخير الجماعة في خير الآحاد.

ولست أعرض هنا للمذاهب المختلفة في النظر إلى الجماعة والواحد أيهما أولى بالرعاية، ولكني أقول: إن الناس ليسوا قطعانا من الغنم، وأعظم ما في الإنسان إرادته وحريته، فلا أحسب نظاما للجماعة تبطل فيه إرادة الفرد وتضيع قيمته، وأرى أن مقصد الجماعة إسعاد كل واحد فيها، وعملها تمكينه من أن يبلغ أبعد ما تستطيع مواهبه أن تبلغه. وأما أن يعيش الناس قطيعا ليس لواحد فيها إرادة ولا مقصد ولا كرامة ولا قيمة فهذه معيشة الحيوان، وطريقة القطعان.

وبعد فالواحد الحر المكرم المقوم في جماعته الذي يسمو على معيشة الحيوان، تطمع نفسه إلى القوانين العامة، والمعاني الشاملة، فيعمل للجماعة وهو يعمل لنفسه، ويهجر الجزئيات إيثارا للكليات، وهو أقرب إلى الحرية والرقي الروحي.

وأسعد الناس من رفع نفسه إلى هذه الدرجة، الدرجة التي تتفق فيها منفعته ومنفعة جماعته، يعمل لنفسه فإذا هو عامل للجماعة، ويقصد خير الجماعة فإذا هو عامل لنفسه.

إذا اتسع عقل الإنسان، وصفا وجدانه، علت نفسه، وعظمت همته، فلا يجد اختلافا بين المطالب العالية التي تطمح إليها نفسه العالية، والمعاني الواسعة التي تطلبها نفسه الواسعة، وبين خير الجماعة ونفعها وسعادتها. وأما من صغرت نفسه وضاقت وأسفت، فهو يرى الاختلاف بين مطلبه ومطلب جماعته بل أسرته، بل بين مطالب نفسه في أوقات مختلفة وأحوال متباينة.

الأحد 28 ربيع الأول/7 يناير

ترجمة النظم بالنظم

الشعر خفي المسالك في النفس، لطيف المآخذ في المعاني، دقيق التصرف في الألفاظ. والكلام يسهل نقله من لغة إلى لغة إن كان عماده معاني تسهل الإبانة عنها في اللغات المختلفة، كالأخبار والأحاديث، وكلما اشتدت صلة الكلام بالعاطفة، والشعور والذوق وطرق الأداء، وأساليب التصوير عسر نقله من لغة إلى أخرى على قدر ما بين اللغتين من تقارب وتباعد وما بين الأمتين من تشابه وتخالف، وما بين البيئتين من تآلف وتنافر.

الشوارد · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الشواردص ١٠٤